رؤية أب يتصل بالرائي مشهد قد يترك في النفس أثرًا خاصًّا بعد الاستيقاظ، وهو في الغالب من الصور الرمزية المتعلقة بالتواصل والحنين. والرؤيا في أصلها لغة رمزية تخاطب النفس بالصور، فلا تُقرأ بحروفها كأنها خبر قاطع عن واقع قادم. لذلك يحسن التعامل مع ما يأتي بهدوء، على أنه احتمالات وتأملات تتفاوت بتفاوت أحوال الناس. وهو اجتهاد في الفهم يقبل الاختلاف ولا يدّعي اليقين.
الأب في عالم الرموز يشير في الغالب إلى السند والحماية والمسؤولية والسلطة الأسرية، كما يشير إلى الخبرة والتوجيه والصلة بالجذور. وقد تكون صورته في المنام انعكاسًا لأب حقيقي، وقد تكون صورة داخلية صاغتها الذكريات والمشاعر عبر السنين. وفي الأحلام يتجسد ما في النفس من شوق أو حاجة أو تفكير في صور مألوفة، ومنها المكالمة. فاتصال الأب بالرائي قد يعبّر عن حاجة الرائي إلى التواصل معه وسماع صوته وكلمته، أو عن أفكار وذكريات تشغله. ولا يصح الجزم بوجه واحد، ولا يُقرأ المشهد إلا بوصفه انعكاسًا لما في نفس الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب التعبير أن الكلام الذي يسمعه الإنسان في منامه يُقرأ بحسب ما فيه من معنى وبحسب حال المتكلم، وأن العبرة بالمعنى. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن النداء والمخاطبة في الرؤيا يرمزان إلى الخبر والإشارة إلى أمر بحسب السياق. والمكالمة الهاتفية أمر مستحدث لم يكن في زمن المعبّرين الأقدمين، فلا يوجد فيها نص مباشر ويُقاس معناها على معنى المخاطبة. ولذلك تتعدد الآراء فيه، وتبقى القراءة اجتهادية تلائم حال الرائي. وما يُذكر هنا يبقى اجتهادًا يحتمل الخطأ.
أثر السياق واضح في هذه الرؤيا، فنبرة الأب وما يقوله وردّ الرائي وجو المكالمة تفاصيل تغيّر المعنى. إذا كان الأب يتكلم بدفء واطمئنان، مال الفهم إلى حاجة الرائي إلى الاطمئنان والأنس وإلى حنين لطيف. وإذا كان الاتصال متقطعًا أو غير واضح، فقد يعبّر ذلك عن رغبة في التواصل لم تكتمل أو عن مشاعر لم يعبّر عنها الرائي بعد. وإذا كان الرائي هو الذي لا يرد، فقد يرتبط بتأجيل كلام أو زيارة. وشعور الرائي عند الاستيقاظ هو الإشارة الأقرب إلى الجهة التي يميل إليها المعنى.
إذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة، فقد يعكس المشهد حاجتها إلى سماع كلمات طمأنة من أبيها، أو رغبتها في أن يسأل عنها ويهتم بأمرها. وقد يشير إلى شوق إلى الأجواء الأسرية. وقد يرتبط كذلك بكلام تتمنى أن تقوله له. ويبقى المعنى مرتبطًا بما تحمله من مشاعر تجاه أبيها. فإن كانت العلاقة دافئة مال الفهم إلى الأنس، وإن كانت متباعدة فقد يكون المشهد أمنية بفتح باب الكلام.
وإذا كانت الرائية متزوجة، فقد يرتبط المشهد بتأملها في ما بينها وبين أهلها من اتصال وسط مشاغلها، وبشوقها إلى سؤالهم عنها. وقد يعبّر عن رغبتها في سند معنوي يخفف عنها. أما إذا كان الرائي رجلًا، فقد يرتبط المشهد بتأمله في تأجيله لزيارة أو اتصال، وبرغبته في أن يعوّض ما فاته من كلام مع أبيه. وقد يكون كذلك صدى لتفكير في أمر يحتاج فيه إلى مشورة. وفي كل ذلك تبقى الرؤيا مرآة لمشاعر صاحبها.
للتفاصيل الدقيقة معانٍ تستحق التأمل، فإذا كان الاتصال في ساعة متأخرة فقد يرتبط بقلق أو تفكير ليلي، وإذا كان في ساعة هادئة فقد يرتبط بطمأنينة. وإذا كان الأب يسأل عن حال الرائي فقد يرتبط بحاجة إلى اهتمام، وإذا كان يطلب شيئًا فقد يرتبط بما في نفس الرائي من إحساس بالمسؤولية. وإذا انقطعت المكالمة قبل أن يفهم الرائي شيئًا فقد يعبّر عن كلام لم يكتمل. أما إذا كان الصوت مألوفًا ومريحًا فقد يدل على ألفة راسخة.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى تحويل هذا الشوق إلى فعل بسيط في الواقع، كمكالمة أو زيارة أو كتابة كلمة طيبة لمن يهمه الأمر في الأسرة. فالتعبير عن المشاعر يخفف ما في الصدر، والحوار الأسري الهادئ يقرّب القلوب. والاستفادة من خبرة الأب في ما يشغل الرائي تغنيه، وتقدير ما قدمه من جهد يزيد المودة. ولا ينبغي أن يُعدّ الحلم نصيحة طبية أو نفسية متخصصة. وإذا كان الحزن شديدًا ومستمرًا، أو كانت العلاقة بالأب مؤلمة، فالكلام مع مختص أو مع أحد الأهل المقربين طريق نافع.
هذا كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار مصيري أو خوف مقيم. والأولى أن يستقبل الرائي رؤياه بحسن الظن بالله، وأن يدعو الله لنفسه ولأسرته بالطمأنينة وصفاء القلوب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه تأمل يهدي إلى صلة طيبة. وليكن الرائي مطمئنًا إلى أن الخير بيد الله وحده في كل حال.
