رؤية أب يمسك الهاتف مشهد معاصر مألوف، وقد يرغب الرائي في معرفة ما يرمز إليه. والرؤيا في أصلها لغة رمزية تخاطب النفس بالصور، فلا تُقرأ بحروفها كأنها خبر قاطع عن واقع قادم. لذلك يحسن التعامل مع ما يأتي على أنه احتمالات وتأملات تتفاوت بتفاوت أحوال الناس. وهو اجتهاد في الفهم يقبل الاختلاف ولا يدّعي اليقين.
الأب في عالم الرموز يشير في الغالب إلى السند والحماية والمسؤولية والسلطة الأسرية، كما يشير إلى الخبرة والتوجيه والصلة بالجذور. وقد تكون صورته في المنام انعكاسًا لأب حقيقي، وقد تكون صورة داخلية في نفس الرائي صاغتها السنون من مواقف وكلمات وذكريات. أما الهاتف فهو في لغة الرموز وسيلة التواصل والقرب والاطمئنان، وقد يعبّر أيضًا عن الانشغال والانصراف إلى شاشة. فإمساك الأب بالهاتف قد يعبّر عن حاجة الرائي إلى التواصل معه، أو عن شعوره بأن المسافة بينهما تحتاج إلى جسر من الكلام. ولا يصح الجزم بوجه واحد، فالصورة تتسع لعدة قراءات.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب التعبير أن الكلام والمراسلة بين الناس يدلان في الجملة على ما يجري بينهم من أخبار وصلات بحسب ما يصاحب الرؤيا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن وسائل نقل الأخبار تُقرأ بحسب ما تحمله من معنى الإعلام والاتصال. والهاتف أداة مستجدة لم تكن في زمن المعبّرين الأقدمين، فلا يوجد فيها نص مباشر، ويُقاس معناها على معنى التواصل. ولذلك تتعدد الآراء فيه، وتبقى القراءة اجتهادية تلائم حال الرائي. وما يُذكر هنا يبقى اجتهادًا يحتمل الخطأ.
أثر السياق واضح في هذه الرؤيا، فمكان الأب وما يفعله بالهاتف وهيئة الشاشة وشعور الرائي تفاصيل تغيّر المعنى. إذا كان الأب يتكلم بهدوء وابتسام، مال الفهم إلى معنى الأنس والتواصل الدافئ. وإذا كان منشغلًا بالشاشة عن الجالسين، فقد يعبّر ذلك عن شعور الرائي بقلة الانتباه إليه أو بانشغال الجميع. وإذا كان الأب يحاول استعمال الهاتف بصعوبة، فقد يرتبط بالرغبة في مساعدته أو بالقرب منه. وشعور الرائي عند الاستيقاظ هو الإشارة الأقرب إلى الجهة التي يميل إليها المعنى.
إذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة، فقد يعكس المشهد حنينها إلى كلمة من أبيها أو اهتمامه بسؤالها عن أحوالها. وقد يشير إلى رغبتها في تواصل أصدق وأقرب. وقد يرتبط كذلك بانشغال العصر الذي يفرّق بين أفراد الأسرة. ويبقى المعنى مرتبطًا بما تحمله من مشاعر تجاه أبيها. فإن كانت العلاقة دافئة مال الفهم إلى الأنس، وإن كانت متباعدة فقد يكون المشهد أمنية بقرب أكبر.
وإذا كانت الرائية متزوجة، فقد يرتبط المشهد بتأملها في حجم الوقت الذي تخصصه للاتصال بأهلها وسط انشغالات بيتها. وقد يعبّر عن رغبتها في أن يبقى التواصل بين الأجيال حيًّا. أما إذا كان الرائي رجلًا، فقد يرتبط المشهد بتأمله في كيفية التواصل مع أبيه وسط مشاغل العمل، وبسؤاله هل يعطيه من وقته ما يستحق. وقد يكون كذلك انعكاسًا لتعلق بالشاشات يشغله عن أهله. وفي كل ذلك تبقى الرؤيا مرآة لمشاعر صاحبها.
للتفاصيل الدقيقة معانٍ تستحق التأمل، فإذا كان الأب ينظر إلى الهاتف بتركيز فقد يرتبط بمعنى الانشغال، وإذا كان يمدّه إلى الرائي فقد يرتبط بدعوة إلى التواصل. وإذا كان الهاتف قديمًا فقد يتصل بذكريات زمن مضى، وإذا كان جديد الشكل فقد يتصل بمواكبة العصر. وإذا كانت الشاشة مطفأة فقد تدل على انقطاع مؤقت في الكلام، وإذا كانت مضيئة فقد تدل على إمكان التواصل. أما إذا كان الأب يصوّر مشهدًا عائليًّا فقد يرتبط بحفظ الذكريات.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى إجراء مكالمة أو زيارة قصيرة أو كتابة كلمة طيبة، دون انتظار مناسبة معينة. فالمحادثة الصادقة أنفع من الرسائل المقتضبة، والحوار الأسري بصوت وجهًا لوجه يقرّب القلوب. والاستفادة من خبرة الأب تبقى زادًا، وتقدير ما قدمه يزيد المودة. ولا ينبغي أن يُعدّ الحلم نصيحة طبية أو نفسية متخصصة. وإذا كان الحزن شديدًا ومستمرًا، أو كانت العلاقة بالأب مؤلمة، فالكلام مع مختص أو مع أحد الأهل المقربين طريق نافع.
هذا كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار مصيري أو خوف مقيم. والأولى أن يستقبل الرائي رؤياه بحسن الظن بالله، وأن يدعو الله لنفسه ولأسرته بالقرب وصفاء القلوب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه تأمل يهدي إلى صلة طيبة. وليكن الرائي مطمئنًا إلى أن الخير بيد الله وحده في كل حال.
