رؤية الأب وهو يلعب مع الأطفال مشهد دافئ يترك في النفس أثرًا لطيفًا، ويدفع صاحبه إلى السؤال عن معناه. والرؤيا في أصلها لغة رمزية تخاطب النفس بالصور، فلا يصح أن تُقرأ بحروفها كأنها خبر ثابت عن المستقبل. لذلك يحسن النظر فيما يأتي على أنه احتمالات وتأملات تتبدل بتبدل حال الرائي وظروفه. وهو اجتهاد في الفهم يقبل الاختلاف، لا يدّعي اليقين ولا يفرض رأيًا.
الأب في عالم الرموز يشير في الغالب إلى السند والحماية والمسؤولية والسلطة الأسرية، كما يشير إلى الخبرة والتوجيه والصلة بالجذور. وقد تكون صورته في المنام انعكاسًا لأب حقيقي في حياة الرائي، وقد تكون صورة داخلية تشكلت من مواقف وذكريات وكلمات سمعها عبر السنين. أما الأطفال فهم في لغة الرموز معنى البراءة والبدايات والفرح الصافي وما في النفس من صفاء. فاجتماع الأب بهم في لعب قد يعبّر عن التقاء القوة بالرقة، والمسؤولية بالمرح. ولا ينبغي الجزم بوجه واحد، فالصورة تحتمل أكثر من قراءة.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأب يدل في الجملة على الأصل وصاحب الفضل والعون، وأن الأطفال قد يشيرون إلى الفرح الخفيف أو إلى هموم صغيرة بحسب حالهم في الرؤيا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اللعب والمرح في المنام يدلان على الانشغال بما يسرّ، وأن لهما وجوهًا بحسب هيئة اللاعبين. ولم يرد في الكتب القديمة تفصيل كثير عن لعب الأب مع الأطفال بعينه، فالرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا عند المعبّرين الأقدمين. ولذلك تتعدد الآراء فيه ويبقى الأخذ بما يناسب حال الرائي هو الأقرب. وما يُذكر هنا لا يعدو أن يكون اجتهادًا يحتمل الصواب والخطأ.
أثر السياق واضح في هذه الرؤيا، فنوع اللعب ومكانه وجو المشهد تفاصيل تغيّر المعنى. إذا كان اللعب في مكان مفتوح ومضيء وأصوات الضحك صافية، مال الفهم إلى الراحة والانشراح وحاجة الرائي إلى فسحة من الأمان. وإذا كان اللعب مصحوبًا بصراخ أو تدافع، فقد يعبّر عن انشغال داخلي بأمور كثيرة تتزاحم في نفس الرائي. وقد يكون الأطفال أبناء الرائي أو أطفالًا من الأسرة أو وجوهًا لا يعرفها، ولكل حال قراءتها. وشعور الرائي عند الاستيقاظ هو أصدق مؤشر على الجهة التي يميل إليها المعنى.
إذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة، فقد يعكس المشهد شوقها إلى طفولة آمنة كان فيها الكبار يحيطونها بالرعاية. وقد يشير إلى رغبتها في أن ترى في أبيها جانبًا أرق وأقرب مما تعتاد عليه. وقد يرتبط أيضًا بتفكيرها في أسرة تبنيها يومًا يجتمع فيها المرح والمسؤولية. ويبقى المعنى مرتبطًا بما تحمله من مشاعر تجاه بيتها. فإن كانت علاقتها بأهلها هادئة مال الفهم إلى الأنس، وإن كانت متوترة فقد يكون المشهد أمنية بجو ألطف.
وإذا كانت الرائية متزوجة، فقد يرتبط المشهد بحرصها على أن يجد أبناؤها حنانًا وقربًا من الكبار في الأسرة. وقد يعبّر عن حاجتها إلى شريك أو سند يشاركها العناية بالصغار. أما إذا كان الرائي رجلًا، فقد يرتبط المشهد بتأمله في كيفية قيامه بدور الأب مع أبنائه، وما إذا كان يعطيهم وقتًا من المرح بجانب الجدية. وقد يكون كذلك حنينًا إلى أيام كان فيها اللعب جزءًا من يومه. وفي كل حال تبقى الرؤيا مرآة لمشاعره أكثر منها خبرًا عن شيء خارجي.
للتفاصيل الدقيقة معانٍ تستحق التأمل، فنوع اللعبة قد يوحي بذكرى أو بمعنى خاص، وكرة تتدحرج قد تشير إلى حركة وتغير. وإذا كان الأب يحمل طفلًا ويدور به فقد يدل على الاحتواء والفرح، وإذا كان يجلس يراقب اللعب فقد يدل على رعاية هادئة من بعيد. وإذا انضم الرائي إلى اللعب فقد يعبّر ذلك عن رغبته في المشاركة والقرب. أما إذا انتهى اللعب بتعب أو بكاء فقد يدل على قلق بسيط من أن يفوت الفرح أو يتبدل. وكل ذلك يبقى ظنيًّا ولا يُبنى عليه قرار.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى منح الأسرة وقتًا من البهجة والمرح بجانب المشاغل الجادة. فالجلوس مع الأب في أوقات خفيفة، وتبادل الذكريات الطريفة، وإشراك الصغار في هذه اللقاءات، من أنفع ما يقوّي الصلات. والاستفادة من خبرة الأب في أساليب التربية وتقدير ما بذله من جهد، من ثمرات هذا التأمل. ولا ينبغي أن يُعدّ الحلم نصيحة طبية أو نفسية متخصصة. وإذا كان الحزن شديدًا ومستمرًا، أو كانت العلاقة بالأب مؤلمة، فالكلام مع مختص أو مع أحد الأهل المقربين طريق نافع.
هذا كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار مصيري أو خوف مقيم. والأولى أن يستقبل الرائي رؤياه بحسن الظن بالله، وأن يدعو الله لأسرته بالسكينة والمودة وصلاح الأحوال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه تأمل يهدي إلى صلة طيبة. وليكن الرائي مطمئنًا إلى أن الخير بيد الله وحده في كل حال.
