رؤية أب بوجه مختلف مشهد قد يربك الرائي حين يستيقظ، وهو في الغالب من الصور الرمزية التي تتبدل ملامحها في الأحلام. والرؤيا في أصلها لغة رمزية تخاطب النفس بالصور، فلا تُقرأ بحروفها كأنها خبر قاطع عن واقع قادم. لذلك يحسن التعامل مع ما يأتي بهدوء، على أنه احتمالات وتأملات تتفاوت بتفاوت أحوال الناس. وهو اجتهاد في الفهم يقبل الاختلاف، ولا يُقصد به الإشارة إلى أحد.
الأب في عالم الرموز يشير في الغالب إلى السند والحماية والمسؤولية والسلطة الأسرية، كما يشير إلى الخبرة والتوجيه والصلة بالجذور. وقد تكون صورته في المنام انعكاسًا لأب حقيقي، وقد تكون صورة داخلية تتشكل وتتبدل بحسب مشاعر الرائي. ومن طبيعة الأحلام أن تتبدل فيها الوجوه، فيظهر الشخص المعروف بملامح غير ملامحه دون أن يكون في ذلك دلالة على أمر حقيقي. فالوجه المختلف قد يعبّر عن جانب جديد من الصورة التي يحملها الرائي عن أبيه، أو عن تغير في نظرته إلى معنى السند والتوجيه. ولا يصح الجزم بوجه واحد، فالصورة تتسع لعدة قراءات.
نُسب إلى ابن سيرين أن تبدل الهيئة في المنام قد يدل في الجملة على تغير حال أو على اختلاف في النظر إلى الأمر بحسب ما يصاحب الرؤيا. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشخص الذي يظهر بصورة غير صورته يُنظر في معناه لا في عينه، وأن الأولى تأمل حاله وأفعاله. ولم يرد تفصيل كثير عن أب بوجه مختلف بعينه، فالرموز الأقل شيوعًا أقل تناولًا في الكتب القديمة. ولذلك تتعدد الآراء فيه ويبقى الأخذ بما يلائم حال الرائي هو الأقرب. وما يُذكر هنا يبقى اجتهادًا يحتمل الخطأ، ولا ينبغي أن يُبنى عليه أي تصور سلبي عن أحد.
أثر السياق واضح في هذه الرؤيا، فنوع الاختلاف وشعور الرائي أثناءه وحال الأب تفاصيل تغيّر المعنى. إذا كان الوجه المختلف هادئًا مريحًا وشعر الرائي بالأمان، مال الفهم إلى أن الصورة الداخلية للأب تتسع وتتجدد نحو مزيد من التقبل. وإذا شعر الرائي بالارتباك أو الغرابة، فقد يعبّر ذلك عن انشغاله بأمر لم يتضح، أو عن تغيرات مرت بالأسرة جعلت الصور القديمة تتبدل. وإذا كان الوجه أصغر سنًّا أو أكبر، فقد يتصل بمعنى مرور الزمن. وشعور الرائي عند الاستيقاظ هو الإشارة الأقرب إلى الجهة التي يميل إليها المعنى.
إذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة، فقد يعكس المشهد مرحلة تتغير فيها نظرتها إلى أبيها مع نضجها، فتكتشف جوانب لم تكن تراها. وقد يشير إلى رغبتها في فهم أعمق لشخصيته وتاريخه. وقد يرتبط كذلك بتبدل مشاعرها وأفكارها هي. ويبقى المعنى مرتبطًا بما تحمله من مشاعر تجاه أهلها. فإن كانت العلاقة دافئة مال الفهم إلى الفضول اللطيف، وإن كانت متوترة فقد يكون المشهد أمنية بأن ترى جانبًا ألطف.
وإذا كانت الرائية متزوجة، فقد يرتبط المشهد بتأمل في كيف تتغير نظرة الإنسان إلى أبويه بعد أن يصير هو نفسه مسؤولًا عن أسرة. وقد يعبّر عن رغبتها في أن تفهم أباها من زاوية أخرى. أما إذا كان الرائي رجلًا، فقد يرتبط المشهد بتأمله في تبدل علاقته بأبيه مع الأيام، وبما اكتشفه من وجوه جديدة في شخصيته. وقد يكون كذلك انعكاسًا لتبدل أحواله هو في العمل أو الأسرة. وفي كل ذلك تبقى الرؤيا مرآة لمشاعر صاحبها.
للتفاصيل الدقيقة معانٍ تستحق التأمل، فإذا ظلّ الصوت مألوفًا رغم تغير الوجه فقد يرتبط بمعنى أن الجوهر ثابت مهما تبدلت الأحوال. وإذا بدا الوجه ضبابيًّا فقد يدل على أن الصورة لم تكتمل في ذهن الرائي، وإذا كان الوجه مبتسمًا فقد يدل على قبول. وإذا تبدلت الملامح تدريجيًّا أثناء الحلم فقد يعبّر ذلك عن طبيعة الأحلام في خلط الصور. أما إذا ظل الرائي يتساءل عمن يكون هذا الشخص فقد يتصل بحيرة في فهم علاقة ما.
من الناحية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى معرفة الأب من جديد بالسؤال والإصغاء، والاطلاع على ما مرّ به من تجارب لم يحكها. فالحوار الأسري الهادئ قد يكشف جوانب إنسانية تقرّب القلوب، والاستفادة من خبرته تثري الرائي. وإنصاف الصورة في النفس يخفف كثيرًا من سوء الفهم. ولا ينبغي أن يُعدّ الحلم نصيحة طبية أو نفسية متخصصة. وإذا كان الحزن شديدًا ومستمرًا، أو كانت العلاقة بالأب مؤلمة، فالكلام مع مختص أو مع أحد الأهل المقربين طريق نافع.
هذا كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار مصيري أو خوف مقيم. والأولى أن يستقبل الرائي رؤياه بحسن الظن بالله، وأن يدعو الله لنفسه ولأسرته بحسن الفهم وصفاء القلوب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه تأمل يهدي إلى صلة طيبة. وليكن الرائي مطمئنًا إلى أن الخير بيد الله وحده في كل حال.
