رؤية الأب يعمل في المنام من الصور التي تحمل معاني الجد والمسؤولية، فالعمل في وعي الناس صورة الأب الذي يسعى لأسرته. وقبل الدخول في المعاني يحسن الانتباه إلى أن الرؤيا رمزية، وأن العمل الذي يظهر فيها ليس نقلًا حرفيًّا لواقع ولا إخبارًا بشيء قادم. فقد يكون الحلم تعبيرًا عن ذكرى جهد رآه الرائي في أبيه أو عن قلق من أعباء يحملها بنفسه. ولذلك فما يلي قراءة احتمالية لما قد يدل عليه هذا المشهد، وليس إخبارًا مؤكدًا بشيء. والرائي أعرف بحياته وبما يناسبها.
الأب في الرموز يدل على السند والحماية والمسؤولية والخبرة والتوجيه، وعلى الجذور التي ينتمي إليها الإنسان. وحين يعمل فإن المعنى يتجه إلى الكفاح والاجتهاد وحمل المسؤولية، أي إلى الجانب الفعلي من معنى الأبوة. وقد تكون الصورة انعكاسًا للصورة الداخلية للأب في نفس الرائي، وما فيها من تقدير لجهده وتعبه من أجل الأسرة. كما قد تعبر عن شعور الرائي بالمسؤولية أو بحاجته إلى قدوة في الاجتهاد. فالحلم قد يتحدث عن حال الرائي بقدر ما يتحدث عن الأب.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأب يدل على الأصل والعون والمكانة، وأن هيئته في الرؤيا تُقرأ بحسب حالها. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الاشتغال بالحرف والمهن في الرؤى يُقرأ بحسب نوع العمل وحاله، فالعمل المتقن يميل إلى الخير. وتختلف آراء المفسرين في هذه الجزئيات ولا يتفقون على معنى واحد. كما أن صورة الأب العامل بخصوصها من الرموز الأقل تناولًا بالتفصيل في الكتب القديمة. وعليه فما يُذكر هنا للاستئناس لا للقطع.
يتغير المعنى بتغير السياق. فإذا عمل الأب في بيت الأسرة، مال المعنى إلى رعاية البيت وإصلاح أحواله. وإذا عمل في مكان عمله المعروف، فقد يرتبط بالجد والاستقرار المهني. وإذا عمل في عمل جديد أو غير مألوف، فقد يشير إلى رغبة في تجديد أو إلى تحول في مسار الرائي. وإذا عمل بجهد شاق، فقد يعكس شعور الرائي بثقل المسؤوليات. وقد يتأثر المعنى بنوع الأدوات المحيطة بالأب، فأدوات البناء ترجح معنى الإصلاح والتأسيس، وأدوات الكتابة ترجح معنى التنظيم والتدبير.
أما المرأة العزباء فقد يعبر الحلم عندها عن تقديرها لجهد أسرتها وعن رغبتها في أن تكون مجتهدة في مسارها. وقد يرتبط بمرحلة بحث عن عمل أو دراسة. وقد يدعوها إلى أن تستلهم من تجربة الأب الصبر. وإن كان الشعور بالفخر فهو أقرب إلى الاطمئنان. وما يناسبها تعرفه هي من واقعها.
وأما المرأة المتزوجة فقد يعكس الحلم عندها تقديرها لجهد من ربّاها، أو انشغالها بأعباء بيتها وما تحتاجه من اجتهاد. وقد يدل على رغبتها في أن تعبر عن امتنانها لأسرتها. وقد يدعوها إلى توزيع المهام وطلب العون. وإن كان المشهد هادئًا فهو أقرب إلى الراحة. والتقدير النهائي لها.
وأما الرجل فقد يعبر الحلم عنده عن ثقل المسؤوليات المهنية والأسرية، أو عن استحضار قدوة أبيه في الاجتهاد. وقد يرتبط بقرار مهني أو مشروع جديد. وإن كان الرائي أبًا، فقد يتأمل في موازنة عمله مع وقته لأبنائه. وإن كان شابًّا، فقد يعكس رغبة في أن يصنع طريقه كما صنع أبوه. وهذه كلها احتمالات ترجع إلى واقعه. ومهما كان العمل المرئي، فالأقرب أن الحلم يستحضر معنى الاجتهاد أكثر من مهنة بعينها.
وتؤثر التفاصيل الدقيقة في المعنى، كنوع العمل وأدواته وحال الأب أثناءه ومن يشاركه. فالعمل اليدوي قد يميل إلى معنى الصبر والإتقان، والعمل المكتبي قد يرتبط بالتنظيم، والعمل الشاق قد يدل على تعب، والعمل المتقن بيسر قد يدل على خبرة. وإن شاركه الرائي، فقد يرمز ذلك إلى استعداده لحمل المسؤولية. ولا يُبنى على تفصيلة غامضة.
وعمليًّا قد يكون الحلم دعوة إلى تقدير جهد الأسرة بكلمة شكر، وإلى الاستفادة من خبرة الأب وكبار الأهل في أمور العمل والمهنة. فالحوار الأسري حول التجارب المهنية يثري القرارات. ويحسن للرائي أن يوازن بين عمله وراحته وأسرته. وهذه الرؤيا ليست تشخيصًا نفسيًّا ولا نصيحة مهنية متخصصة، فإن كان الرائي يشعر بإرهاق شديد مستمر أو كانت علاقته بأبيه مؤلمة، فالأفضل التحدث مع مختص أو مع أحد الأهل الموثوقين.
وفي الختام، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني في تأويل رؤيا الأب الذي يعمل، وليس جزمًا ولا وعدًا بما سيقع. وللرائي أن يأخذ منه ما يعينه على الخير والاجتهاد ويترك ما لا يناسب واقعه. اللهم اجعل ما رآه الرائي خيرًا وطمأنينة وبشرى، وبارك له في عمله وأهله. وليحسن الظن بالله، فإن حسن الظن به باب للسكينة. ويبقى الغيب لا يعلمه إلا الله.
