يرى بعض النائمين في منامهم مشهداً مقلقاً يتمثل في نار تشتعل في جسد شخص آخر يعرفونه، سواء كان قريباً أو صديقاً أو حتى شخصاً غريباً، فيستيقظون وقد خالطهم شعور بالقلق على ذلك الشخص. ومن الضروري التأكيد بداية أن هذا المشهد رمزي بحت، ولا يعني إطلاقاً أن ذلك الشخص معرّض لخطر حقيقي أو حريق فعلي، فتفسير الرؤى مبني على استنباط الدلالات لا على الإخبار اليقيني بالمستقبل.
وتحمل رؤية احتراق شخص آخر بالنار دلالات متعددة، فقد ترمز إلى غضب شديد يكنّه الرائي تجاه ذلك الشخص أو خصومة تفصل بينهما، وقد تشير إلى معاناة يمر بها ذلك الشخص في حياته يستشعرها الرائي دون وعي منه، كما يمكن أن تدل على فتنة أو مصيبة تحيط بذلك الشخص في جانب من جوانب حياته كماله أو سمعته أو علاقاته. وفي بعض السياقات قد ترمز إلى تطهر ذلك الشخص من خطأ ارتكبه أو اختبار يمر به يخرج منه أقوى مما كان.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن رؤية شخص يحترق بالنار قد تدل على وقوعه في بلية أو خصومة قوية مع أحد أفراد أسرته أو مجتمعه، بينما ذهب بعض من نقل عن النابلسي إلى أن الأمر يتوقف على حال ذلك الشخص في الرؤيا، فإن كان يتألم فذلك أقرب إلى الشر، وإن كان هادئاً غير متأثر فقد يشير إلى نجاته من أذى كان يحيط به. وتبقى هذه التأويلات اجتهادات بشرية ظنية تحتمل الخطأ والصواب.
وتتفاوت دلالة هذه الرؤيا بحسب درجة القرابة أو العلاقة بين الرائي وذلك الشخص، فاحتراق قريب مقرّب كالأب أو الأخ يختلف عن احتراق شخص غريب لا تربطه به صلة، كما يختلف الأمر بحسب شعور الرائي تجاه ما يراه، هل كان يشعر بالحزن والرغبة في مساعدته أم كان غير مكترث، وهل حاول إنقاذه أم اكتفى بالمشاهدة، فكل هذه التفاصيل تسهم في توجيه التفسير نحو معنى أدق.
فإذا كان الشخص المحترق أحد الوالدين، فقد تشير الرؤيا إلى قلق الرائي على صحتهما أو استقرار حياتهما. وإذا كان زوجاً أو زوجة، فقد ترمز إلى توتر في العلاقة الزوجية أو خلاف يهدد استقرارها. وإذا كان صديقاً، فقد تعكس الرؤيا شعوراً داخلياً بالغيرة أو الخصومة الكامنة تجاهه، أو على العكس قلقاً صادقاً على أحواله. أما إذا كان شخصاً مجهولاً لا يعرفه الرائي، فقد تكون الرؤيا انعكاساً لمخاوف عامة يحملها تجاه المجتمع من حوله.
ومن التفاصيل التي تستحق الاهتمام في هذه الرؤيا معرفة استجابة ذلك الشخص للنار، هل كان يصرخ متألماً أم صامتاً، وهل حاول الآخرون إنقاذه أم تركوه، وهل انتهى الأمر باحتراقه كاملاً أم نجا في اللحظة الأخيرة، فكل ذلك يرسم صورة أوضح لما قد ترمز إليه الرؤيا من خير أو شر يحيط بذلك الشخص أو بعلاقته بالرائي.
وفي الختام، لا بد من التذكير بأن هذا التأويل كله من باب الاجتهاد البشري الظني الذي لا يبلغ درجة القطع، فلا يصح أن يُبنى عليه حكم على شخص أو قرار يمس علاقة الرائي به، والأولى أن يدعو الرائي لذلك الشخص بالخير والسلامة، وأن يستعيذ بالله من شر ما رأى، محسناً ظنه بربه، فالغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل.
وإذا رأى الرائي رئيسه في العمل أو شخصاً ذا سلطة عليه يحترق بالنار، فقد يرمز ذلك إلى رغبة داخلية مكبوتة في تحرره من سيطرة ذلك الشخص أو ضغطه المستمر عليه، دون أن يعني ذلك بالضرورة تمني الأذى له فعلياً. أما إذا كان الشخص المحترق منافساً له في العمل أو الدراسة، فقد تعكس الرؤيا تنافساً داخلياً قوياً يشعر به الرائي تجاه ذلك الشخص. ومن المهم أن يتفحص الرائي مشاعره الحقيقية تجاه ذلك الشخص في يقظته بصدق، فقد تكون هذه الرؤيا مرآة لمشاعر لم يعترف بها لنفسه بعد، كالغيرة أو الإعجاب المصحوب بالتنافس، وهذا الفهم الذاتي قد يكون أنفع له من الانشغال بمحاولة التنبؤ بمصير ذلك الشخص الآخر.
وفي جميع الأحوال، فإن أفضل موقف يتخذه الرائي تجاه هذه الرؤيا هو الدعاء الصادق لذلك الشخص بالخير بدلاً من الانشغال بتحليل مشاعره الخاصة تجاهه بشكل مفرط، فالدعاء يطهر القلب من أي شائبة قد تكون كامنة فيه دون وعي منه. وقد يكون من المفيد أيضاً أن يستغل الرائي هذه الرؤيا كفرصة لتجديد صلته بذلك الشخص إن كانت قد فترت لسبب أو لآخر، فالتقارب الصادق كفيل بإذابة أي جليد قد يكون تراكم بينهما.
