قد يرى النائم في منامه ناراً مشتعلة تتطاير منها شرارات متناثرة في الهواء، تلمع للحظة ثم تخبو أو تسقط على الأرض، وهو مشهد عابر سريع لكنه كثيراً ما يعلق في الذاكرة لغرابته وسرعته. وكما هو الحال مع سائر رؤى النار، فإن ما يُذكر هنا من معانٍ هو اجتهاد ظني في قراءة الرمز، لا حكم يقيني على واقع أو مستقبل، فليطمئن الرائي أن هذه الرؤية لا تعني بالضرورة وقوع مكروه حقيقي.
وترمز الشرارة المتطايرة عند كثير من المعبرين إلى أثر عابر أو حدث سريع ينبثق من أصل أكبر، فكما تتطاير الشرارة من النار الكبيرة، فقد تشير إلى كلمة قيلت في غضب فأحدثت أثراً بسيطاً، أو إلى فكرة خاطفة راودت الرائي دون أن تتحول إلى فعل كامل، وقد تحمل كذلك معنى التحذير اللطيف من امتداد أمر صغير إلى ما هو أوسع إن لم يُحتوَ في مهده، كما قد ترمز الشرارة في وجه آخر إلى بارقة أمل أو إلهام مفاجئ يخطر على بال الرائي فجأة كما تخطر الفكرة العابرة.
وقد ذهب بعض من نُسب إليهم علم التعبير إلى أن كل ما يتطاير من النار في المنام كالشرر والدخان يدل على ما يصدر عن أصل الأمر من آثار جانبية، فإن كانت النار الأصلية تدل على فتنة أو غضب، فإن الشرر المتطاير منها يشير إلى من يتأثر بتلك الفتنة أو الغضب دون أن يكون طرفاً مباشراً فيها، وقد نُسب إلى بعض المفسرين أن سقوط الشرارة على ثوب الرائي أو جسده دون أن تحرقه يدل على مسّ خفيف من أمر ما دون ضرر كبير، بينما إحراقها له فعلاً قد يوحي بتأثر أعمق مما يبدو للوهلة الأولى.
ويتغير المعنى بحسب مسار الشرارة واتجاهها، فإن كانت تتطاير بعيداً عن الرائي دون أن تقترب منه فذلك أخف وطأة من سقوطها بالقرب منه أو عليه مباشرة، كما يختلف الأمر إن كانت الشرارات كثيرة متتابعة عن كونها شرارة واحدة عابرة، فكثرتها قد تدل على تكرر أمر مزعج بصورة متقطعة، بينما ندرتها توحي بحدث عابر لا يستحق كبير قلق، ويضاف إلى ذلك تأثير الحالة الشعورية للرائي أثناء رؤيته للشرر، فالانزعاج منه يحمل معنى مختلفاً عن مجرد ملاحظته دون اكتراث.
وإن رآها شخص يمر بخلاف بسيط مع أحد معارفه فقد تشير إلى أثر جانبي لذلك الخلاف يطال شخصاً آخر لم يكن طرفاً فيه، وإن رآها شاب يسعى في عمل أو مشروع فربما دلت على فكرة عابرة تخطر له فجأة وتستحق أن يوليها اهتماماً قبل أن تضيع، وإن رأتها امرأة فقد تعبر عن قلق صغير يخالجها تجاه أمر عائلي هامشي لا يستحق كل هذا الانشغال، أما كبير السن فقد تذكّره الرؤيا بلحظة عابرة من ماضيه ما زال أثرها حاضراً في وجدانه.
ومن التفاصيل الدقيقة اتجاه تطاير الشرر، فصعوده إلى الأعلى يوحي بانتهاء أثره وتلاشيه، بينما سقوطه إلى الأسفل وملامسته لأشياء قابلة للاشتعال قد يحمل تحذيراً من امتداد أثر بسيط إلى ما هو أكبر، كما أن لون الشرارة وحجمها يضيفان تفصيلاً آخر، فالشرارة الكبيرة اللامعة تحمل دلالة أقوى من الشرارة الخافتة الصغيرة التي تكاد لا تُرى.
وقد يلحظ بعض الرائين أن الشرر يتطاير من احتكاك جسمين صلبين لا من نار قائمة بذاتها، وهو تفصيل يضيف معنى مختلفاً يتصل بنشوء التوتر من تصادم بين طرفين أو فكرتين متعارضتين، فتصبح الشرارة هنا رمزاً للحظة الاحتكاك الأولى التي قد تتطور إلى نقاش أو خلاف إن لم يحسن الرائي التعامل معها منذ بدايتها الخفيفة، أما إن كان مصدر الشرر نار مشتعلة أصلاً فيبقى المعنى أقرب إلى الأثر الجانبي المذكور آنفاً لا إلى بداية جديدة مستقلة.
ومن الصور الملحقة بهذه الرؤيا أن يرى الرائي الشرر وهو يتطاير من احتكاك حجرين أو من عود ثقاب يُشعل للتو، وهو مشهد يحمل دلالة على بداية أمر جديد ما زال في طور التكوّن الأول، فكما أن الشرارة الأولى قد تكون بادرة اشتعال نار كبيرة لاحقاً، فقد تشير إلى فكرة أو مشروع صغير يستحق المتابعة والرعاية لأنه قد يتطور إلى ما هو أهم مما يتوقعه الرائي في البداية، وهذا يضفي على الرؤيا بعداً من التفاؤل بقدر ما يحمل من تحذير لطيف من الإهمال.
وقد يفرّق بعض المعبرين أيضاً بين تطاير الشرر نحو السماء وتطايره أفقياً باتجاه الأشخاص المحيطين، فالأول أقرب إلى تبدد الأثر دون ضرر يُذكر، والثاني قد يحمل معنى انتقال أثر الأمر إلى طرف آخر غير الرائي نفسه، وهو تفصيل يستحق الانتباه عند محاولة فهم أبعاد الرؤيا كاملة.
وفي الختام، يبقى هذا كله تأويلاً ظنياً بشرياً لا يجوز الجزم به أو البناء عليه في أمور الحياة، فمن رأى مثل هذه الرؤيا فلا يقلق منها، بل ليستعذ بالله من شرها إن أزعجته، وليحسن ظنه بربه، فما وراء الرؤى من غيب لا يعلمه إلا الله وحده لا شريك له.
