يشتكي بعض الناس من تكرار رؤية حلم الحريق في أكثر من مناسبة، فتارة يرونه بتفاصيل متشابهة وتارة بتفاصيل مختلفة لكن يجمعها اشتعال النار في كل مرة، وهذا التكرار يثير في نفس الرائي تساؤلاً مشروعاً عن سبب عودة هذا المشهد بالذات إلى منامه أكثر من غيره. ومع أهمية هذا التساؤل، يبقى الأصل أن كل ما يُقال في تفسيره اجتهاد ظني، وليس تأكيداً حتمياً على وقوع أمر معين، فلا ينبغي أن يتحول التكرار إلى مصدر هلع دائم للرائي.
وتحمل النار في أصلها معاني متعددة كالفتنة والغضب والاختبار والتطهير، وحين تتكرر رؤيتها فإن أغلب المعبرين يميلون إلى تفسير التكرار بأنه إلحاح من النفس على قضية لم تُحل بعد أو أمر لم يُعالج كما ينبغي، فكأن العقل الباطن يعيد صياغة الرسالة بصور متعددة لعل الرائي ينتبه لها، وقد يشير التكرار أيضاً إلى استمرار حالة نفسية معينة كالقلق أو التوتر طالما بقيت أسبابها قائمة دون معالجة حقيقية في الواقع.
وقد ذهب بعض من نُسب إليهم علم التعبير إلى أن الرؤيا المتكررة أوثق دلالة من الرؤيا التي تُرى مرة واحدة، إذ يرون في تكرارها تأكيداً على صدق الإشارة وأهميتها، وقد نُسب إلى ابن سيرين أن تكرار رؤية أمر واحد في المنام يدل على قرب وقوع ما تشير إليه الرؤيا أو على شدة الحاجة إلى الانتباه له، بينما يرى بعض المعبرين المعاصرين أن التكرار قد يكون أثراً نفسياً بحتاً ناتجاً عن انشغال ذهن الرائي المستمر بأمر معين خلال يقظته.
ويتوقف المعنى الدقيق على مدى تشابه تفاصيل الرؤيا المتكررة أو اختلافها، فإن كانت النار في كل مرة تصيب المكان نفسه والأشخاص أنفسهم فذلك يرجح ارتباط الرؤيا بأمر محدد بعينه يحتاج معالجة مباشرة، أما إن اختلفت الأماكن والتفاصيل مع بقاء عنصر النار ثابتاً فقد يشير ذلك إلى حالة عامة من القلق أو التوتر تنعكس في أكثر من جانب من جوانب حياة الرائي، كما يختلف الأمر بحسب تطور مآل الحلم من مرة لأخرى، فتحول النار من مرعبة إلى أقل حدة قد يبشر بتحسن تدريجي في الأمر المقصود.
وإن كان الرائي يمر بضغوط نفسية مستمرة في حياته اليومية فقد يكون تكرار حلم الحريق انعكاساً طبيعياً لتلك الضغوط المتراكمة، وإن كانت امرأة تعاني من قلق مزمن تجاه أسرتها فربما جاء التكرار ليعبر عن استمرار ذلك القلق دون تخفيف، وإن كان شاباً يواجه قراراً مصيرياً مؤجلاً فقد يكون التكرار دعوة ملحة لحسم ذلك القرار بدلاً من الاستمرار في التردد والتأجيل.
ومن التفاصيل التي تستحق المتابعة الفارق الزمني بين كل رؤيا وأخرى، فتكرارها في فترة زمنية قصيرة ومتقاربة يحمل إلحاحاً أكبر من تكرارها على فترات متباعدة، كما أن ملاحظة الرائي لأي تغير في شدة النار أو في شعوره تجاهها من مرة لأخرى يساعد على تتبع تطور الحالة التي تشير إليها الرؤيا، سواء كانت في تصاعد أو في هدوء تدريجي.
وينصح كثير من المعبرين المعاصرين من يتكرر معه مثل هذا الحلم بأن يدوّن تفاصيله في كل مرة يراه فيها، ليقارن بين النسخ المختلفة ويحاول استخلاص الخيط المشترك بينها بنفسه، فهو أدرى بظروف حياته من أي تفسير عام يُقدَّم له، كما ينصحونه بمراجعة حالته النفسية والجسدية عموماً، فقد يكون التكرار مرتبطاً بعادة نوم غير منتظمة أو بضغط يومي متراكم أكثر من ارتباطه برسالة غيبية عميقة.
ومن المفيد أيضاً أن يلاحظ الرائي هل يترافق تكرار حلم الحريق مع تكرار مشاعر أو أفكار معينة في يقظته، فقد يجد أن هذا التكرار يتزامن مع فترات ضغط عمل معين أو مع اقتراب موعد قرار مهم كان يؤجله، وهذا التزامن قد يكون أدل على المعنى الحقيقي للرؤيا من أي تفسير عام مجرد، إذ إن أفضل من يفسر تكرار حلم الإنسان هو الإنسان نفسه حين يربطه بصدق بواقع حياته اليومية وتفاصيلها الدقيقة.
ومن الجميل أيضاً أن يختم الرائي يومه دوماً بشيء من الذكر والدعاء قبل النوم، فذلك من أسباب طمأنينة القلب وتخفيف حدة الأحلام المزعجة المتكررة بإذن الله تعالى.
ويشير بعض المعبرين أيضاً إلى أن تغيير بعض العادات اليومية البسيطة، كضبط مواعيد النوم والابتعاد عن مشاهدة ما يثير القلق قبيل النوم مباشرة، قد يسهم فعلياً في تقليل تكرار مثل هذه الأحلام المزعجة، فالأسباب المادية البسيطة لا تقل أهمية أحياناً عن التأويل الرمزي العميق الذي يبحث عنه كثير من الناس دون الانتباه لجذور المشكلة القريبة.
وفي الختام، يبقى هذا كله اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يبلغ درجة اليقين، فمن يتكرر معه حلم الحريق فلا يستسلم للقلق منه، بل ليكثر من الاستعاذة بالله، وليراجع أحواله بهدوء وحكمة، وليحسن ظنه بربه في كل ما يقدّره له، فعلم الغيب وحقيقة كل أمر لا يعلمه إلا الله وحده.
