تُعد رؤيا النجاة من حريق مشتعل من الرؤى التي تبعث الطمأنينة في نفس الرائي رغم ما يسبقها من مشاهد مرعبة، إذ يرى نفسه محاصراً بالنيران ثم يجد طريقه للخروج سالماً معافى. وهذا المشهد يتكرر عند كثيرين ويثير تساؤلات عن دلالته، والمهم أن يُعلم أن هذه رؤيا رمزية تحتمل التأويل ولا تعني بالضرورة وقوع خطر حقيقي أو نجاة فعلية من حادث، فعلم تفسير الأحلام مبني على الظن والاجتهاد لا على القطع.
وتحمل النار في عمومها دلالات متعددة كالغضب المحتدم والفتنة والابتلاء والاختبار، وقد ترمز إلى تطهر من الذنوب أو تخلص من أزمة كانت تضيق الخناق على الرائي، أما النجاة منها تحديداً فتكتسب طابعاً إيجابياً غالباً، إذ تشير إلى تجاوز محنة أو خروج من ضيق كان يحيط بصاحب الرؤيا، وقد تدل على قوة في الإيمان تحمي الإنسان من الوقوع في الفتن، كما يمكن أن تعبر عن نجاح مرتقب بعد مرحلة من التحديات الشاقة.
وقد نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما رُوي عنه أن من رأى أنه نجا من حريق فإن ذلك يدل على نجاته من مكروه كان يتوقعه أو خلاصه من عدو كان يكيد له، وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الخروج من النار سالماً في المنام يبشر بفرج قريب بعد شدة، وأن من رأى نفسه يهرب منها إلى مكان آمن فقد ينال معونة من طرف لم يكن يتوقعها. وتباينت الآراء بين من يرى في ذلك محض بشارة، ومن يتحفظ فيربطها بشدة تسبق الفرج، وكل هذا اجتهاد بشري ظني.
وتتفاوت دلالة هذه الرؤيا بحسب الطريقة التي تمت بها النجاة، فمن خرج بمجهوده الخاص يختلف تفسيره عمن أنقذه غيره، ويختلف الأمر أيضاً بحسب شعوره أثناء الحلم، هل كان مطمئناً واثقاً من نجاته أم كان يعاني رعباً شديداً حتى اللحظة الأخيرة، كما أن حالة جسده بعد الخروج، سليماً أو مصاباً بحروق طفيفة، تضيف بعداً آخر للمعنى المستخلص.
وبالنسبة للفتاة غير المتزوجة فقد تدل نجاتها من الحريق على تجاوزها لمرحلة قلق كانت تعيشها بشأن مستقبلها، وربما تبشر بحل قريب لمشكلة عائلية. أما المرأة المتزوجة فقد ترمز إلى خروجها من أزمة زوجية أو مادية كانت تؤرقها. وأما الرجل فقد تعني الرؤيا تجاوزه لعقبة في عمله أو تخلصه من خصم كان يتربص به. وإن رآها المريض فقد تحمل بشارة بالشفاء بعد معاناة، وإن رأتها الحامل فقد تدل على تيسير ولادتها وسلامتها من أي مكروه.
ومن التفاصيل الدقيقة التي تُثري التفسير معرفة هل كانت النجاة بمفرده أم برفقة آخرين، وهل ساعده أحد في الخروج أم اعتمد على نفسه، وهل استمرت النار في الاشتعال بعد خروجه أم انطفأت، فكل هذه العناصر تعكس طبيعة الدعم الذي قد يجده الرائي في واقعه، ومدى استمرار الأزمة التي عاناها من حوله بعد تجاوزه لها شخصياً.
وفي الختام، يجب التأكيد أن هذا كله تأويل بشري ظني لا يملك صاحبه أن يجزم بصدقه، فلا ينبغي أن يُتخذ أساساً لأي قرار في الحياة الواقعية، بل الأجدر بالرائي أن يستقبل رؤياه بالشكر والدعاء، وأن يتعوذ بالله من كل سوء، محسناً ظنه بربه في كل ما يقدّره له، فعلم الغيب عند الله وحده لا يشاركه فيه أحد.
وإذا رأى الطالب المقبل على امتحان مصيري أنه نجا من حريق، فقد يرمز ذلك إلى تجاوزه لهذا الاختبار بنجاح بعد فترة من القلق والتوتر المصاحب للمذاكرة. أما من يعاني نزاعاً قانونياً أو إدارياً، فقد تشير نجاته من النار إلى حصوله على حكم منصف أو حل يرضيه بعد طول انتظار. ومن الجدير بالذكر أن الشعور بالراحة عقب الاستيقاظ من هذه الرؤيا يعكس غالباً حالة نفسية إيجابية يعيشها الرائي بالفعل، وقد يكون الحلم استجابة طبيعية لتفاؤله الداخلي أكثر منه بشارة مستقلة بذاتها، فالنفس البشرية كثيراً ما تعبر عن أملها في تجاوز الصعاب من خلال مثل هذه الصور المطمئنة أثناء النوم، وهذا لا ينقص من جمال الرؤيا بل يضيف بعداً واقعياً لفهمها.
ومن الجدير بالذكر أن النجاة في المنام قد ترتبط أيضاً بمرحلة نقاهة يمر بها الرائي بعد صدمة نفسية حقيقية عاشها مؤخراً، فيكون الحلم تعبيراً عن تعافيه التدريجي واستعادته لتوازنه بعد تلك التجربة القاسية. ومهما كانت طبيعة الأزمة التي تشير إليها هذه الرؤيا، فإن العبرة الأهم تبقى في الشعور بالامتنان الذي غالباً ما يعقب النجاة، وهو شعور يستحق أن يستثمره الرائي في تجديد نظرته لحياته وتقدير النعم التي قد يكون غفل عنها من قبل.
