يرى بعض الناس في منامهم أنهم نجحوا في صيد سمكة كبيرة وثقيلة، تتحرك بقوة وتحتاج إلى مجهود ظاهر حتى تُسحب إلى اليابسة. وهذا من الأحلام التي تترك أثرًا مبهجًا في النفس، فيسارع صاحبه إلى السؤال عن معناها. غير أن من الحكمة أن نذكّر بأن الأحلام لغة رمزية لا تُقرأ كأخبار يقينية، وأن تفسيرها مجال اجتهاد يختلف فيه الناس. وما يُذكر هنا مجرد قراءات يتداولها المهتمون بهذا الباب.
والحجم الكبير هو الميزة الأبرز في هذا المشهد، فالسمكة الكبيرة تتجاوز الصيد المعتاد، وتحمل في الرمز معنى الكثرة والقيمة والثقل. ولذلك يميل كثير من المفسرين إلى أن عِظَم السمكة يشير إلى عِظَم ما يُرجى من الرزق أو النفع أو الفرصة، على أن يُفهم ذلك فهمًا رمزيًا حذرًا. كما أن ثقلها وقوة مقاومتها يوحيان بأن هذا النفع يحتاج إلى صبر وإحكام وتدبير، فهو لا يُنال بيسر مطلق. فكأن الحلم يجمع بين معنى العظمة ومعنى الكد.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن السمك رمز للرزق والمال، وأن كبر السمكة قد يدل على كبر النصيب، وأن من أمسك بسمكة كبيرة فقد يرجو منها نفعًا. وذهب بعض المفسرين، ومنهم النابلسي في بعض ما نُقل عنه، إلى أن عظم الصيد يدل على فرصة ذات شأن في عمل أو تجارة. لكنهم اختلفوا في حدود هذه الدلالات، ولا يمكن أن تُحمل على كل حالم بالطريقة نفسها. فهذه آراء اجتهادية لا ترقى إلى القواعد المطّردة.
ويتغير المعنى بتغير تفاصيل الحلم، فإن كانت السمكة سليمة طازجة فقد يُقرأ ذلك على أن الخير صافٍ ومريح، وإن كانت ذات رائحة أو مظهر منفّر فقد يُفهم منه أن في الأمر شوائب تحتاج إلى تدقيق. وإن استطاع الحالم رفعها بيسر فقد يُنظر إلى ذلك على أنه قدرة على تحمّل ما هو مقبل عليه، وإن عجز عنها فقد يشير إلى حاجة إلى عون. كما أن إحساسه بالفرح أو بالرهبة أمام الحجم الكبير ينبئ عن موقفه الداخلي من الفرص الكبيرة.
وللرجل قد يرتبط المشهد بمشروع كبير يطمح إليه أو بصفقة مهمة أو بترقية يتطلع إليها، فيكون الحلم تعبيرًا عن طموح مشروع. وللتاجر قد يعكس الحلم ترقبًا لعقد كبير، مع التذكير بأن هذا انطباع لا يصلح أساسًا لتصرف مالي. ومن كان في بداية طريقه قد يرى فيه بشارة نفسية تشجعه على المواصلة، وهي قراءة معنوية لا أكثر. والأهم أن يبقى الحالم متزنًا فلا يبالغ في التوقع.
وللمرأة قد يُفهم الحلم على أنه إشارة إلى خير يتصل بشأن من شؤون بيتها أو عملها أو دراستها، وقد يكون صدى لأمل كبير تحمله في قلبها. والفتاة غير المتزوجة قد ترى فيه تعبيرًا عن تطلعات واسعة، دون أن يُجزم بحدث محدد. والمتزوجة قد تفهمه على أنه رجاء في سعة ورفاه لأسرتها، وهو رجاء مشروع لا يُنسب إلى الحلم تحقيقه. وتظل القراءة مرنة بحسب حال كل حالمة.
ومن الدقائق التي يُنظر إليها لون السمكة ولمعان جلدها، فاللمعان يوحي بصفاء وبهجة عند بعضهم، والألوان الغريبة تبقى محل خلاف. ومكان صيدها يُلتفت إليه، فالصيد من بحر واسع يوحي باتساع الأفق، والصيد من نهر هادئ يوحي بسكينة. وإن رأى الحالم نفسه يوزّع جزءًا من السمكة على الناس فقد يُقرأ ذلك على أنه كرم ومشاركة للخير. وأما طريقة حملها إلى البيت فقد تدل على ما يأمل من استقرار.
ومن الناحية النفسية والعملية، قد يكون الحلم تعبيرًا عن ثقة تنمو في النفس بعد مجهود طويل، وعن شعور بأن الصبر بدأ يثمر. وهو يذكّر بأن الأمور الكبيرة تحتاج إلى استعداد ومعرفة وتعاون، وأن الفرح بالإنجاز ينبغي أن يقترن بالتواضع. وفيه معنى الشكر لله على النعم، والحرص على أن يكون ما نكسبه حلالًا طيبًا. ومن آداب النعمة أن يُشرك الإنسان معه من يحتاج، فالسخاء يضبط النفس عن الغرور. وهكذا يكون الحلم مناسبة لمراجعة النيات وتجديد العزم.
ويحسن بالحالم كذلك أن يتذكر الظروف التي سبقت نومه، فقد يكون قرأ أو سمع أو شاهد شيئًا عن البحر والصيد في يومه فاستقر في خاطره وظهر في منامه. وللحالة الجسدية أثر أيضًا، فالتعب أو الجوع أو كثرة التفكير تلوّن الأحلام وتجعلها أقرب إلى صدى اليوم منها إلى رسالة خاصة. ولذلك قال كثير من العقلاء إن أنفع ما في الأحلام السارة أن تبعث الأمل، وألا تُستعمل ذريعة للتواكل أو للتهور. فمن رأى خيرًا فليحمد الله عليه دون أن يرتب عليه التزامات، ومن رأى ما لا يحب فليتجاهله ولا يشغل به باله.
وفي الختام، فكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، لا يُعتمد عليه في قرار فعلي كالدخول في صفقة أو الإنفاق أو ترك العمل. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وكثير مما يراه النائم من حديث النفس وأمنياتها. والأحرى بمن رأى هذا الحلم أن يدعو ربه بالخير، وأن يحسن الظن به، وأن يسأله رزقًا حلالًا مباركًا، ثم يمضي في عمله راضيًا مطمئنًا.
