كثيراً ما يستيقظ الطفل ليحكي لأهله أنه رأى سمكاً ملوناً يسبح أو أنه أمسك بسمكة صغيرة بين يديه. وهذه من الأحلام اللطيفة التي تتكرر عند الصغار، لأن عالمهم ممتلئ بالحيوانات والألوان والمياه واللعب. وقد يسأل الأهل أنفسهم عن معنى هذا الحلم، وهل له دلالة تخص مستقبل الصغير. والأصل أن الرؤيا هنا تُقرأ بالرمز والتفاؤل لا بالحكم الجازم، وأن خيال الطفل واسع يستمد صوره من يومه ومن ما يشاهده.
وفي دلالة السمك عند من تحدثوا عن الرؤى أنه يرتبط بالرزق الآتي من الماء وبالخير الذي يأتي هادئاً ومتدرجاً. وهو كذلك رمز لما ينال بسعي وصبر، ولما يكون في ظاهره صغيراً ثم ينمو ويكبر مع الأيام. وقد ينظر بعضهم إلى السمك الصغير على أنه خير بسيط يُرجى له النماء، وإلى الكبير على أنه خير أوسع. وكل هذه معانٍ رمزية قابلة للاختلاف بحسب حال الرائي وما يحيط به.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن السمك يدل في الجملة على الرزق، وأن الحال التي يظهر بها السمك تؤثر في الدلالة. وذهب بعض المفسرين إلى أن رؤية الصغار للأشياء المحببة قد تكون بشارة بخير يُرجى لهم أو لأهلهم. غير أن المفسرين اختلفوا في أحلام الأطفال تحديداً، فمنهم من رأى أن لها أثراً من حديث النفس أكثر مما لها من دلالة غيبية. ولذلك فنحن نذكر هذه الأقوال على سبيل الاطلاع لا على سبيل القطع.
وتختلف قراءة الحلم باختلاف تفاصيله: فسمكة ذهبية صغيرة في إناء قد تكون صدى لما رآه الطفل في بيت أو معرض، والسمك الكثير في بحر واسع قد يعبّر عن دهشته بسعة الدنيا. وإن كان الطفل سعيداً ويضحك في أثناء الحلم فهذا من علامات الطمأنينة، وإن استيقظ خائفاً فقد يكون السبب مشهداً مؤثراً أو قصة سمعها. فالمقام مقام حنان وتفهم، لا مقام توقع أو تخويف.
وللأم والأب في هذا المقام دور جميل، فعليهما أن يصغيا إلى حكاية الطفل بانتباه ويشجعاه على الوصف والتعبير. وسؤاله عن لون السمكة وحجمها وشعوره معها يفتح له باب الكلام، ويقوّي ثقته بنفسه. ويمكن أن يُقال له إن الحلم صورة جميلة من خياله، وإن الله يرزقه خيراً بحسب ما يشاء. وهذا أولى من أن يُحمَّل الحلم أكثر مما يحتمل.
ومن الدقائق التي قد تُلاحظ في حلم الطفل أن يكون هو من أمسك السمكة أو أن يكون قد خلّى سبيلها. فإن أعادها إلى الماء فقد يُقرأ ذلك رمزياً على أنه حنان ورحمة في طبعه، وإن احتفظ بها فقد يعبّر عن اهتمامه بما يحب. وقد يرى سمكة تتحدث أو ترقص كما في القصص المصورة، وهذا أقرب إلى أثر ما شاهده من رسوم وحكايات. ولا يلزم أن يُفتَّش عن تأويل لكل تفصيلة.
ومن الجانب النفسي، فالطفل يحلم بما يشغله ويحبه، والسمك والماء من الصور المحببة التي تمنحه شعوراً بالانطلاق واللعب. وقد يكون الحلم كذلك مرتبطاً بزيارة للبحر أو لحديقة أسماك أو بوجبة أحبها. فالأولى أن يشجَّع الطفل على أن يرسم ما رآه ويحكيه، وأن تُغذّى فيه روح الفضول والرحمة بالمخلوقات. وهذا يدخل في تربية حسنة تزرع فيه الشكر لله على نعمه.
وقد يستفيد الأهل من الحلم لتذكير الطفل بنعمة الرزق وشكر الله على الطعام، بأسلوب بسيط يناسب عمره. فالطفل الذي يتعلم الامتنان مبكراً ينشأ أميل إلى القناعة وحسن الخلق. ويمكن اغتنام هذه اللحظة للحديث عن الصبر والعمل وكيف أن الخير يأتي لمن يسعى. وكل ذلك يتم بلين ورفق دون أن يُشعَر الطفل بأنه موضع امتحان.
ومما ينبغي أن ينتبه إليه الأهل أن الطفل قد يمزج في حكايته بين ما رآه في الحلم وما تمنى أن يراه، فلا يضيرهم ذلك ولا يحتاج إلى تصحيح. وقد يحكي الحلم بعد أيام وقد تغيرت بعض تفاصيله، وهذا من طبيعة الذاكرة عند الصغار. فمن الحكمة ألا يُلحَّ عليه بالأسئلة، وألا يُجعل الحلم موضوعاً للمقارنة بين الإخوة. والمهم أن يشعر الصغير بأن بيته مكان آمن يستمع فيه إليه الكبار بمحبة، وأن خياله موضع تقدير لا سخرية.
وإذا تكرر عليه حلم السمك مع شعور بالسعادة فقد يكون ذلك دليلاً على ميله إلى الماء والحيوان واللعب، ويمكن حينها أن يُصطحب إلى مكان يرى فيه الأسماك أو أن يُقرأ له كتاب مصور عنها. وبهذا يتحول الحلم إلى فرصة للتعلم واكتساب معلومات نافعة عن خلق الله. وإن تكرر مع خوف فيُنظر في الأسباب الواقعية كفيلم أو حكاية أو خلاف في البيت، ويُهدَّأ الطفل ويُطمأن.
وفي الختام، فإن تأويل الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا ينبغي أن يُبنى عليه قرار يخص الطفل أو مستقبله أو تعامل الأهل معه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فالأولى أن نتوجه بالدعاء لأطفالنا بالصلاح والعافية وأن نحسن الظن بالله في شأنهم. وليكن الحلم ابتسامة عابرة تزيد البيت دفئاً، لا بابًا للتوجس أو التخمين.
