قد يرى الحالم في منامه أن الأرض تنشق أو تلين أو تنبع منها أسماك تتحرك، وهذا مشهد عجيب يخالف المألوف في الحياة. وغرابته تدفع صاحبه إلى السؤال عن معناه وهل هو شيء يُخشى أو يُرجى. والأحلام الغريبة في الغالب من اختلاط الصور في العقل أثناء النوم، فلا ينبغي أن تُحمل على ظاهرها ولا أن تُجعل نذيراً. هي صورة رمزية يمكن أن تُقرأ بهدوء، مع الاعتراف بأن علمها الحقيقي عند الله وحده.
وأصل رمزية السمك عند المفسرين أنه يرتبط بالرزق المستخرج من الماء، فإذا ظهر السمك في الأرض اليابسة اجتمعت صورتان متباعدتان: الماء والتراب. والأرض في الرؤى تدل غالباً على الاستقرار والعمل والعقار والمكان الذي يعيش فيه الإنسان. فقد يُقرأ اجتماعهما رمزياً على أنه رزق يأتي من موضع غير متوقع، أو من عمل قريب لم يلتفت إليه صاحبه. وهذه قراءة بالقياس لا أكثر، لأن الصورة نادرة.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن السمك يرجع في الجملة إلى الرزق والمال، وأن الأرض ترمز عموماً إلى المقام والأصل. وذهب بعض المفسرين إلى أن ما يظهر في غير موضعه المألوف قد يدل على غرابة في الحال أو على أمر يأتي على غير المعتاد. غير أن المتقدمين لم يفصّلوا في هذه الصورة بعينها، وقد اختلفت أقوالهم في أمثالها. ولذلك فإننا نذكر ما ذُكر على سبيل العلم به لا الجزم.
وتتنوع القراءة بحسب التفاصيل. فإن كانت الأرض رطبة وخصبة والسمك حياً فقد يُقرأ المشهد على أنه خير متجدد ينبثق من حيث لا يُنتظر، وإن كانت الأرض جافة قاحلة والسمك يتحرك بصعوبة فقد يُقرأ على أنه حاجة إلى جهد وصبر حتى يثمر الأمر. وإن كان السمك كثيراً فالمعنى أوسع وأشمل، وإن كان واحداً فقد يرمز إلى فرصة واحدة ينبغي انتباه صاحبها. ومن المهم ملاحظة الشعور: دهشة سارة أم قلق.
وللرجل الذي يرى هذا الحلم قد يتصل بعمله أو أرضه أو بيته أو مشروعه الذي يفكر فيه. وللمرأة المتزوجة قد يتصل بما يحيط بها في بيتها من أمور لم تنتبه إلى ما فيها من خير. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن أمل في فرصة غير منتظرة في دراستها أو عملها. وللتاجر قد يرمز إلى منفذ جديد للربح من مجال لم يكن يطرقه، وكل ذلك احتمال لا يقين.
ومن الدقائق التي قد تعين: هل كان الرائي يرى السمك يخرج بنفسه أم كان هو الذي يحفر؟ فإن كان يحفر فقد يُقرأ ذلك على أنه جهد وبحث وسعي يُثمر، وإن خرج من تلقاء نفسه فقد يُقرأ على أنه خير يأتي بلا تدبير ظاهر. وإن رأى الأسماك تتناثر على وجه الأرض فقد يعبّر عن تشتت الأفكار وكثرة الخيارات. وكلها قراءات رمزية بعيدة عن القطع.
ومن الجانب النفسي، فإن الأحلام التي تجمع بين شيئين لا يجتمعان في الواقع تنشأ غالباً حين يكون العقل مشغولاً بالتفكير في أمر يبدو مستحيلاً أو غير متوقع. وقد يكون الحلم تعبيراً عن أمنية بأن يأتي الفرج من موضع لا يُحسب له حساب. وقد يكون من أثر مشهد في فيلم أو حكاية أو صورة رآها قبل النوم. فالأولى ألا يتكلف الإنسان معنى عميقاً لكل غريب يراه.
وفي الناحية العملية يمكن أن يستفيد الرائي من الحلم بأن ينظر حوله فيما يملكه من فرص وقدرات لم يستثمرها بعد. فكثير من الأرزاق قريبة من صاحبها لكنه لا يلتفت إليها: مهارة مهملة، أو علاقة طيبة، أو مال قليل يحسن توظيفه. والتفكير الهادئ في ذلك مع الاستشارة والعمل الجاد أنفع من انتظار أمر خارق. وهذا من أخذ الأسباب الذي يقترن بحسن التوكل على الله.
ومن حسن الأدب مع الأحلام أن لا يُنشر ما يُحتمل فيه الغموض على أنه بشارة مؤكدة، فيتعلق به الناس ويبنون عليه آمالاً. وإنما تُروى الأحلام لمن يُحسن الفهم والنصح، ويُكتفى منها بالتفاؤل. والله سبحانه أعلم بما يُصلح عباده، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون بحكمته. وهذا باب رجاء لا يُغلق على من أحسن الظن وسعى بالخير.
ومن الجميل أن يتذكر الرائي أن الأحلام الغريبة لا تتطلب منه جهداً في الفهم أكثر مما تحتمل، فقد يمر الإنسان بعشرات الصور العجيبة في أسبوع واحد دون أن يكون لها أثر في حياته. وليس من الحكمة أن يجعل كل رؤيا موضوع بحث وتفتيش، فذلك يرهق النفس ويشغلها عن الحاضر. والأصح أن يأخذ ما فيها من معنى لطيف إن وُجد، ثم يعود إلى عمله وعبادته وعلاقاته بقلب هادئ. فالحياة اليومية بما فيها من سعي وصدق هي ميدان الرزق الحقيقي.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في مال أو أرض أو عمل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على الإنسان إلا أن يأخذ بالأسباب ويدعو ربه ويحسن به الظن. نسأل الله أن يفتح لنا أبواب الرزق الحلال من حيث نعلم ومن حيث لا نعلم.
