السمك المجفف الذي ينشَّف تحت الشمس أو في الهواء حتى يخفّ وزنه ويقسو جلده صورة قديمة في حياة الناس، ومن رآه في منامه قد يتساءل عن معناه. وهذه الرؤيا أقل شيوعا من غيرها، لكنها تحمل مذاقا خاصا لأنها تجمع بين السمك الذي يرمز إلى الرزق وبين الجفاف الذي يوحي بالانقطاع عن الماء. ومن المهم أن نؤكد أن ما يلي قراءة رمزية لا تُحمل على ظاهرها، ولا يُعد خبرا عن أمر سيقع في الواقع. وإنما هي أفكار يعرضها بعض أهل التعبير للتأمل الهادئ.
في الرمز العام يدل السمك على الرزق الخارج من الماء، أما التجفيف فيقترن بفكرة الانتظار الطويل وفقد الرطوبة والليونة، كما يقترن بالحفظ والبقاء. فقد يُقرأ السمك المجفف على أنه رزق جاء بعد مدة، أو كسب قديم ما زال باقيا في اليد. ويرى بعضهم أنه قد يوحي بمال مدخر منذ زمن، أو بأمر أخذ وقتا طويلا حتى استوى. وفي المقابل قد يُنظر إليه على أنه صورة لرزق شحَّ فيه ماء الحياة الجارية، أي لكسب بطيء قليل الحركة. وهذه كلها معان محتملة لا يُجزم بأي منها.
نُسب إلى ابن سيرين أن السمك يُحمل على الرزق والمال، ويُفهم من طريقته في التأويل أن جفاف الشيء يُنظر إليه من جهة ما فيه من يبس أو قلة نماء. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يابس من الأشياء المرئية قد يُشير إلى ما قلَّت منفعته أو طال عهده، وإن اختلفت العبارات في ذلك. وهذه الأقوال تُنقل على أنها آراء لبعض المفسرين لا قواعد ثابتة، وقد تباين المفسرون في ألفاظها وتفاصيلها كثيرا. ولا يصح أن نجعلها حكما على أحد، فالمنقول في السمك المجفف تحديدا قليل ومتفاوت. وتبقى هذه الإشارات للاستئناس فحسب.
يتغير معنى الرؤيا بحسب حال السمك المجفف وموضعه، فإن كان معلقا في الشمس على حبال مرتبة فهو أقرب إلى معاني الصبر المنظم والانتظار المثمر. وإن كان مهملا متكسرا مغبرا فقد يُقرأ على أنه فرصة قديمة لم تُستثمر أو أمر طال إهماله. ويختلف الأمر كذلك بين من يراه في سوق يُباع فيه ومن يراه في بيت أو مخزن. ويؤثر شعور الرائي، فمن رآه بحنين إلى ذكريات الأسواق والقرى فهمه على نحو غير فهم من استقبله بنفور.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ السمك المجفف على أنه صورة لأمنية طال انتظارها أو لأمر قديم يعود إلى بالها، ويبقى ذلك احتمالا فقط. وللمرأة المتزوجة قد يوحي بتدبير مؤونة البيت وترتيب الاحتياجات، أو بأمر قديم في الأسرة يُستعاد ذكره. وللحامل قد يكون الحلم أثرا من تذكر طعام مألوف في صغرها أو اشتهاء نكهة قوية. وللرجل قد يرتبط بمدخرات أو بعمل طويل النفس، وللتاجر ببضاعة قديمة في المخزن تحتاج إلى تصريف، وكل ذلك ظني.
ومن الدقائق أن ينتبه الرائي إلى لون السمك المجفف، فالذهبي منه قد يوحي عند بعضهم بجودة حفظ، والأسود المتفحم قد يوحي بإفراط في التجفيف. وكذلك يلحظ هل كان له رائحة نفاذة أم مقبولة، وهل كان الرائي يحاول أن يكسره أو يقطعه فيجد مشقة في ذلك. فالمشقة قد تُفهم على أنها إشارة رمزية إلى كسب يحتاج إلى جهد في معالجته. ومن اللطائف أن هذا الحلم كثيرا ما يرتبط بذكريات طفولة لدى من نشأ قرب البحار أو الأنهار.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد يعبر الحلم عن شعور الإنسان بأن رزقه بطيء أو أن نتائج جهده تتأخر عن موعدها. وهذا شعور مألوف لا ينبغي أن يُثقل صاحبه، فكثير من الأمور تحتاج إلى وقت لتنضج. ويحسن أن يستثمر الإنسان هذه الفترة في تطوير مهاراته وترتيب أولوياته، وأن يرضى بما قُسم له دون أن يترك الأخذ بالأسباب. فالصبر الجميل مع العمل المتقن هو أقرب الطرق إلى الاستقرار.
كذلك قد يدعو الحلم إلى التفكير في ما يمكن أن يُحفظ وما ينبغي أن يُستهلك، وفي حسن إدارة ما لدى الإنسان من موارد ووقت وجهد. فالسمك المجفف يبقى لأنه عُولج بحكمة، وكذلك الأمور تبقى إذا أُحسن التعامل معها. وليس في ذلك وعد ولا وعيد، وإنما هي أفكار قد ينتفع بها من أراد. ومن لم تقع في نفسه هذه المعاني فلا حرج عليه، فالأحلام لا تُلزم أحدا بشيء.
وإذا وجد الإنسان في نفسه ثقلا بعد الحلم فليذكر الله وليصرف خاطره إلى عمل مفيد، فالأحلام تذهب بذهاب النوم. وإن وجد فيه تفاؤلا فليحمد الله وليحذر من تعليق الآمال على غير أساس. وليتذكر دائما أن قيمة الإنسان في سعيه وأخلاقه لا في ما يراه في منامه. وبهذا يستقيم نظره إلى الرؤى كلها، طيبها وغير طيبها.
وفي الختام نؤكد أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون مستندا لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الزواج أو غيرها. وعلم ما يأتي من الأيام عند الله وحده، وما نقرؤه من رموز لا يغني عن الأخذ بالأسباب. فليكن شأن المؤمن مع رؤياه الدعاء وحسن الظن بالله والعمل في الحلال والتوكل عليه.
