من الأحلام التي تترك في النفس أثرًا خفيفًا من الأسف أن يرى الإنسان أنه أمسك سمكة بيده أو أخرجها من الماء، ثم تنزلق منه وتعود إلى الماء قبل أن يحكم قبضته عليها. وهو مشهد قصير لكنه يُحدث انطباعًا قويًا، لأن الحالم يشعر أن شيئًا كان في متناوله ثم ذهب. وينبغي أن نقول منذ البداية إن الأحلام رموز لا يُقطع بها، وإن ما يرد هنا مجرد قراءات يتداولها المهتمون بهذا الباب، فلا يحزن الحالم ولا يخشى شيئًا بمجرد هذه الرؤيا.
وللسمكة صفة بارزة، وهي سرعتها وانزلاقها وصعوبة الإمساك بها، ولذلك استُعملت في الرمز للرزق الذي لا يُنال إلا بيقظة وإحكام. فإذا أفلتت من يد الحالم فقد يُفسَّر ذلك على أنه فرصة كانت قريبة ولم تُحكم أسبابها، أو أمر كاد أن يتم ثم تعثر. ولا يلزم من ذلك أن الخير فات إلى الأبد، فقد تكون المسألة مجرد تنبيه إلى الانتباه في المرة المقبلة. كما يمكن أن يعبّر المشهد عن شعور داخلي بالقلق من ضياع ما نملكه أو نرجوه، وهو شعور إنساني معتاد.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن السمك يدل على المال والرزق، ومن هذا الأصل ذهب بعض الشراح إلى أن إفلات السمكة بعد الظفر بها قد يدل على نفع كاد يحصل ثم تعذر. وذكر بعض المفسرين، ومنهم النابلسي في بعض ما نُقل عنه، أن ما ينفلت من يد الصائد يُفسر بحسب نوعه، فمنه ما يدل على فرصة ضائعة ومنه ما لا يُحمل على ذلك. ولم يتفق المفسرون على ضابط محدد في هذه المسألة، فهي من الاجتهادات التي يُستأنس بها ولا يُجزم بها.
ويتغير معنى الحلم بحسب تفاصيله، فإن أفلتت السمكة وهي صغيرة فقد يُقرأ ذلك على أن الفائت يسير، وإن كانت كبيرة فقد يُفهم منه أن الأمر المرجو كان ذا شأن. وإن عاد الحالم فأمسكها مرة أخرى فقد يُنظر إلى ذلك على أن الفرصة قد تتكرر لمن يثابر. وإن شعر بالراحة بعد إفلاتها فقد يدل ذلك عند بعضهم على أن النفس لم تكن متعلقة بها تعلقًا شديدًا. أما إن حزن حزنًا شديدًا فقد يكشف عن تعلقه بأمر معين في واقعه.
وللرجل قد يتصل المشهد بصفقة أو عمل أو عرض شعر أنه كاد ينجزه، فيعكس الحلم صدى لهذا التفكير. وللتاجر قد يعبّر عن حرصه على ألا تفوته فرصة بيع أو شراء، وهو حرص مشروع يمكن أن يترجم إلى تنظيم أفضل لا إلى قلق دائم. ومن كان ينتظر وظيفة أو موعدًا قد يرى فيه ترجمة لخوفه من أن يتأخر الأمر. وليس في ذلك خبر عن المستقبل، وإنما هو تعبير عن الحاضر.
وللمرأة قد يُفهم الحلم على أنه يتصل بأمر كانت ترجو إتمامه فتأخر أو تعثر، كمشروع صغير أو دراسة أو شأن عائلي. وللفتاة غير المتزوجة قد يرتبط بقلق عام من فوات الفرص، دون أن يعني ذلك شيئًا محددًا. وللمتزوجة قد يعبّر عن حرصها على حفظ ما بين يديها من استقرار. وهذه مجرد معانٍ نفسية قريبة، ولا ينبغي أن تُحمَّل أكثر مما تحتمل.
ومن الدقائق التي يُلتفت إليها كيف أفلتت السمكة، فإن انزلقت بسبب البلل والزلق فقد تعني أن الأسباب كانت تحتاج إلى مزيد من الإحكام، وإن قفزت بنفسها إلى الماء فقد تدل عند بعضهم على أن الأمر لم يكن مقدَّرًا في وقته. وإن كان الحالم يعتني بسمكة أخرى في الوقت نفسه فقد يُقرأ ذلك على أنه انشغال بأكثر من أمر. وحال الماء من صفاء أو اضطراب يُضاف إلى الصورة كقرينة عامة.
ومن الناحية النفسية، فالحلم قد يعكس خوفًا من الفقد أو من التقصير، وهو خوف طبيعي يمكن تهدئته بالتخطيط الجيد والتوكل. وفيه تذكير بأن الإفراط في الإمساك قد يجرح كما أن الإهمال يضيّع، وأن التوازن مطلوب في كل شأن. وقد يدعو إلى مراجعة ما بين أيدينا من فرص حقيقية والانتباه إليها قبل أن تفوت. وهو أيضًا تذكير بأن ما كُتب للإنسان سيصل إليه وإن أفلت منه ظاهرًا، وأن التعلق الشديد بالأشياء يتعب القلب.
وفي ميدان العمل والحياة يمكن أن يُستفاد من الحلم بأن نكتب خططنا ونتابعها ونتحقق من التفاصيل الصغيرة قبل أن ننجز الأمور الكبيرة. وفيه دعوة إلى الشكر على ما هو حاضر لدينا، فلا ننسى النعم الباقية ونحن ننظر إلى ما فات. ومن لطف الأخلاق أن نخفف عن غيرنا حين تفوتهم فرصة، وألا نعيرهم بما فاتهم. وبهذه المعاني يتحول المشهد إلى درس هادئ لا إلى مصدر همّ.
وفي الختام، فالتفسيرات المذكورة كلها اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يجوز أن يُتخذ منها مستند لقرار في الواقع، فلا يُترك أمر ولا يُقدم عليه بسبب حلم. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وكثير مما يُرى في النوم من حديث النفس وما شغلها نهارًا. فالأحسن أن يدعو الحالم ربه بالخير، وأن يحسن الظن به، ويسأله التوفيق والرزق الطيب، ثم يمضي في أسبابه مطمئنًا.
