قد يرى النائم في منامه سمكاً يتساقط من السماء كما يتساقط المطر، وهذا مشهد عجيب يثير الدهشة ويدعو إلى التساؤل. وكثيراً ما تتولد مثل هذه الصور من اختلاط الخيال بما شاهده الإنسان في يومه من صور وقصص ومقاطع. ولا يصح أن تُحمل على ظاهرها، فهي في أحسن أحوالها صورة رمزية تُقرأ بهدوء وتفاؤل. وسنتناولها بمنهج المفسرين في الاستئناس لا القطع، مع التذكير بأن ما تحتمله من معنى ظني لا أكثر.
وفي رمزية السمك عند من تكلموا في الرؤى أنه يتعلق بالرزق الذي يخرج من الماء ويأتي بعد صبر وتدبير. أما السماء فهي في الرؤى رمز للعلو والرفعة وما يأتي من فوق، ومن ذلك الأمطار والأرزاق التي لا يد للإنسان فيها. فاجتماع السمك والسماء قد يُقرأ رمزياً على أنه رزق يأتي بغير ترتيب ظاهر، أو عون يصل من جهة لم يكن يحسبها. وهذه قراءة بالقياس لأن الصورة نادرة، ولا ينبغي أن تُجعل وعداً بشيء.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن السمك يدل في الجملة على المال والرزق، وأن ما ينزل من السماء من الخير يتصل بالنفع العام والعطاء. وذهب بعض المفسرين إلى أن اختلاف الشيء عن موضعه المعتاد في الحلم يدل على أن الأمر يأتي على غير المألوف. غير أنهم اختلفوا في كثير من التفاصيل، ولم يضعوا لهذه الصورة قاعدة محددة. ولذلك فإن ما نذكره هنا مما يُستأنس به ولا يُعتمد عليه.
وتتغير القراءة بحسب تفاصيل المشهد. فإن كان النازل سمكاً كثيراً وصغيراً كالمطر الخفيف فقد يُقرأ ذلك على أنه خير متفرق ينال صاحبه شيئاً منه، وإن نزل سمك كبير واحد فقد يُقرأ على أنه فرصة واحدة ذات وزن. وإن كان السمك حياً يتحرك فالمعنى أقرب إلى النشاط والحيوية، وإن كان ساكناً فقد يوحي بخير يحتاج إلى عمل وتثمير. ومن المهم النظر إلى شعور الرائي: هل انبهر وفرح أم خاف وهرب؟
وللرجل الذي يرى هذا الحلم قد يرتبط بعمل جديد أو بانتظار نتيجة أمر طال انتظاره. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن تمنٍّ بأن تتحسن أحوال أسرتها دون كثير عناء. وللفتاة غير المتزوجة قد يعكس أملاً في فرصة دراسة أو وظيفة. وللحامل قد تكون الصورة من آثار انشغال الخاطر بالمولود المنتظر وما يتمناه له من رزق وخير. وكل هذه احتمالات لطيفة لا ينبغي المبالغة فيها.
ومن الدقائق أن يُنظر هل جمع الرائي السمك المتساقط أم تركه، وهل كان معه من يشاركه في الجمع. فإن جمعه فقد يُقرأ ذلك على أنه اغتنام للفرص عند ظهورها، وإن تركه فقد يعبّر عن زهد أو تردد، وإن شاركه آخرون فقد يشير إلى خير يعم الجماعة. وإن رأى السمك يسقط في الماء ويعود إليه فقد يُقرأ على أنه خير يعود إلى أصله. وهذه كلها قراءات احتمالية يستأنس بها ولا تثبت.
ومن الجانب النفسي، فإن العقل أثناء النوم يخلط بين مشاهد المطر والسحاب والطعام والأمنيات، فينتج صوراً سريالية تبدو غريبة لكنها مفهومة في ضوء ما يشغل الرائي. وقد يكون الحلم تعبيراً عن حاجة لدى الإنسان إلى أن يُرفع عنه عبء الهم المادي. وقد يكون من أثر قراءة أو مشاهدة قبل النوم. فلا ينبغي أن تُعطى الأحلام الغريبة أكثر مما تستحق من الاهتمام.
وفي الجانب العملي، يمكن أن يُستفاد من الحلم بتذكّر أن الرزق لا يقتصر على ما يُدبَّر بيد الإنسان، وأن الأخذ بالأسباب يبقى هو الأصل. فمن أراد خيراً سعى له بالعلم والعمل والاستقامة، ولم يعلّق أمره بصورة في منام. والتواضع أمام تقدير الله وحسن الظن به يخففان القلق ويزيدان الرضا. وفي الشكر على ما بين اليد بركة تنمو مع الأيام.
ومن حسن التصرف أن يبتعد الإنسان عن مشاركة مثل هذه الأحلام مع من يبالغ في التفسير أو يخوّف أو يعد بما لا يعلم. فخير ما يُفعل أن يُقال لمن يسأل إن هذه صورة لطيفة، والله أعلم بما وراءها. ثم يعود الإنسان إلى عمله وحياته بنفس مطمئنة. فالطمأنينة هي أعظم ما يمكن أن يجنيه المرء من أي رؤيا خير.
ويحسن بالرائي ألا يقارن حلمه بأحلام الآخرين، فلكل إنسان خياله وما يختلف عليه من أحوال وتجارب. وقد يرى اثنان صورة واحدة فتكون عند أحدهما من أثر ذكرى، وعند الآخر من أثر قلق، ولا يمكن أن يُعطى لها تفسير واحد يصلح للجميع. وهذا من أسباب اختلاف المفسرين قديماً وحديثاً، فهم يربطون الصورة بحال صاحبها. والأسلم أن يأخذ الإنسان من الصورة ما يناسب حاله بلا تكلف، وأن يترك ما لا يفهمه لعلم الله.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار في مال أو عمل أو سفر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فما على الإنسان إلا أن يدعو ربه ويحسن الظن به ويأخذ بالأسباب. نسأل الله أن يرزقنا رزقاً حلالاً طيباً مباركاً من حيث نحتسب ومن حيث لا نحتسب.
