رؤية السمك الطافي على سطح الماء صورة قد يراها الإنسان في بحر أو بركة أو حوض، حيث يظهر السمك على السطح لا يغوص في الأعماق. وقد يكون الطفو هادئا لسمك حي يتنفس قرب السطح، وقد يكون سكونا لسمك لا حياة فيه، وهذا الفرق مهم في المعنى. ومن الضروري أن نذكّر بأن التفسير هنا رمزي لا يُحمل على ظاهره، ولا يدل على أمر بعينه في الواقع. وإنما نعرض ما تأمله بعض أهل التعبير في معنى الظهور على السطح.
الطفو في الرمز يوحي بالظهور والبروز وعدم الغوص، فكل ما يطفو على الماء يكون مرئيا قريبا. فقد يُقرأ السمك الطافي على أنه رزق ظاهر قريب المنال لا يحتاج إلى بحث في الأعماق، أو أمر كان خافيا ثم ظهر. ويرى بعضهم أن الطفو قد يوحي بأن الأمر لا يزال في الأفق لكنه لم يستقر، فالطافي لا يثبت في مكانه. وقد يُقرأ كذلك على أنه أمر يحتاج إلى التفات وعناية قبل أن يجرفه التيار. وهذه معان محتملة لا يُجزم بها.
نُسب إلى ابن سيرين أن السمك يُحمل على الرزق والمال، وأن الماء وحاله يُنظر فيهما بحسب الصفاء والسعة والاضطراب، وأن ما يُرى على الماء يتأثر بذلك. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يظهر على سطح الماء قد يُقرأ على الظهور والانكشاف في بعض الأمور، مع اختلاف في التفصيل. وهذه الأقوال تُنقل على أنها آراء لبعض المفسرين لا قواعد ثابتة، وقد تباينت عباراتهم. ولا ينبغي أن يُنسب إليهم قول جازم في السمك الطافي بعينه، فمثل هذه الجزئيات لم يُنقل فيها كلام موثق. فهي إشارات للاستئناس.
يتغير المعنى بحسب حال السمك الطافي، فإن كان حيا يتنفس قرب السطح في ماء صافٍ فهو أقرب إلى معاني الخير القريب الظاهر. وإن كان ساكنا بلا حركة فقد يُقرأ على فتور أو انقطاع في أمر ما، ويبقى ذلك رمزا لا حكما. وتختلف الدلالة بين سمك واحد وكثير، وبين ماء هادئ وماء متموج، وبين رائ يقف على الشاطئ ورائ في القارب. ويؤثر شعور الرائي، فالارتياح لقرب السمك غير الانقباض من سكونه. وهذه قرائن يلتفت إليها المفسرون.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ السمك الطافي على أنه صورة لأمر بدأ يظهر في حياتها بعد خفاء، ويبقى ذلك احتمالا فقط. وللمرأة المتزوجة قد يوحي بأمر في البيت ظهر على السطح ويحتاج إلى معالجة هادئة، أو بخير قريب لم تلتفت إليه. وللحامل قد يعكس الشعور بقرب موعد ما، وبالظهور والتغيير الجسدي والنفسي، وهو معنى نفسي في الغالب. وللرجل قد يدل على فرصة ظاهرة تنتظر المبادرة، وللتاجر على سوق مكشوفة وفرص قريبة، وكله اجتهاد ظني.
ومن التفاصيل الدقيقة أن يتذكر الرائي وضع السمك على السطح، هل كان على جنبه أم على بطنه أم مائلا، وهل كانت أنفاسه مسموعة أو حركة خياشيمه ظاهرة. كذلك التيار الذي يحمله، وهل كان يبتعد أم يقترب من الشاطئ. فالمقترب قد يُقرأ على قرب الأمر والمبتعد على ابتعاده. ويلاحظ بعضهم الضوء الساقط على الماء ولمعان السمك فيه، فيجعلونه تلميحا إلى وضوح الأمر. وهذه كلها ظلال معنى لا أكثر.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تعبر هذه الرؤيا عن شعور الإنسان بأن أمرا ظهر أمامه وينتظر قراره، أو عن حيرة بين المبادرة والانتظار. وفي هذا دعوة إلى التروي وحسن التقدير، فمن رأى الفرصة قريبة فليتحقق من حالها قبل أن يمد يده. وكذلك من رأى أمرا يحتاج إلى عناية فليسارع إلى إصلاحه بهدوء. ويحسن أن يحمد الله على ما ظهر له من خير، وأن يتحرى الحلال في كسبه.
وقد يكون الطفو في الحلم صدى لخبرة واقعية، كمن شاهد السمك في بركة أو على شاطئ أو في أحواض الأسواق، فتعود الصورة في نومه. وهذا يخفف من الحرص على التأويل البعيد، ويذكّر بأن الأحلام تبني من الذاكرة. ومن أراد النفع فليتأمل في نعم الله في الماء وما فيه من حياة وجمال. وهذا من أنفع ما يؤخذ من الصورة.
وإذا انزعج الإنسان مما رأى فليذكر الله ويصرف ذهنه إلى ما ينفع، وإذا فرح فليحمد الله دون تعلق بما لا يُدرى. وليتجنب أن يتناقل الرؤيا مع الناس فيدخل عليه كلامهم قلقا أو أوهاما. ويكفيه أن يمضي في حياته بنية صالحة وعمل حلال، وبنفس مطمئنة.
وفي الختام نؤكد أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون سندا لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الزواج أو غيرها. وما سيأتي به الغد علمه عند الله وحده، وكل ما قيل رموز نتأملها بتواضع. فليكن جواب المرء على رؤياه دعاء بالخير وحسن ظن بالله وأخذا بالأسباب المشروعة وتوكلا عليه.
