يرى بعض الناس في منامهم سمكا مقليا في الزيت، يُسمع له صوت الفوران وتفوح منه رائحة مألوفة في المطابخ. وهذه الصورة قريبة من الحياة اليومية، فكثيرا ما يكون مصدرها مشهدا رآه النائم في بيته أو في السوق أو في مطعم. ومع ذلك يتأمل فيها أهل التعبير من جهة رمزية، فيجعلون القلي صورة لشيء يُجهَّز بسرعة ويصل إلى صاحبه دسما مكتمل الطعم. وينبغي أن نذكّر من أول الكلام بأن ما سيُذكر قراءة رمزية لا تُحمل على ظاهرها، ولا تدل على أمر بعينه سيقع في الواقع.
السمك في عرف المفسرين رمز للرزق الذي يأتي من الماء، أما القلي فيضيف إليه معنى الحرارة السريعة والزيت الذي يمنح الطعام كثافة ولذة. فكأن الصورة تتحدث عن رزق وُضع في إناء جاهز وقُدّم بسرعة، بخلاف الشواء الذي يوحي بالأناة والنضج البطيء. وقد يشير القلي عند بعضهم إلى مكسب فيه شيء من الترف أو الدسم، وقد يشير إلى عمل يُنجز في وقت قصير. ويرى آخرون أن صوت الزيت المتطاير قد يعكس انشغالا وضجيجا مصاحبا للكسب. وهذه كلها معان مختلف فيها بين المفسرين، ولا يُقطع بواحد منها.
نُسب إلى ابن سيرين أن السمك يُقرأ في الجملة على الرزق والمال، وأن ما يُصنع منه بالحرارة يُنظر فيه إلى مقدار ما بُذل من جهد قبل أن يصير طعاما. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يُطبخ أو يُقلى من الطعام قد يرمز إلى عمل جرت معالجته بيد صاحبه حتى صار نافعا. وهذه الأقوال إنما تُروى على أنها اجتهادات لبعض المفسرين، وقد اختلفت أنظارهم فيها اختلافا كبيرا بين مصنف وآخر. ولا ينبغي أن يُنسب إليهم نص صريح في السمك المقلي تحديدا، فالمنقول في هذه الجزئيات قليل ومتفاوت التوثيق. فيكفي أن تُؤخذ هذه الإشارات للاستئناس والتأمل.
يتغير معنى الرؤيا بتغير حال السمك المقلي، فإن كان ذهبي اللون مقرمشا طيب المذاق فهو أقرب إلى معاني الخير والرضا، وإن كان شديد الدسم أو محروقا فقد يُقرأ بشيء من الإفراط أو العجلة. وتختلف الدلالة أيضا بحسب الإناء، هل هو مقلاة كبيرة أم صغيرة، وهل الزيت قليل أم كثير، وهل الجو هادئ أم متعجل. ويؤثر عدد الأسماك وهل قُدمت في طبق جميل أم في ورق عادي. وأخيرا يبقى شعور الرائي هو الأهم، فسروره بالمنظر يغاير ضيقه من الرائحة أو الزيت.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ السمك المقلي على أنه صورة لأمر يتم إنجازه بسرعة نسبية، كتجهيز أو ترتيب أو قرار صغير، ويظل ذلك احتمالا لا أكثر. وللمرأة المتزوجة قد يوحي بانشغال البيت بالضيافة والطبخ والاجتماع الأسري، فيكون الحلم صدى لحياتها اليومية. وللحامل قد يكون مجرد اشتهاء أو تذكر لطعام مألوف، فلا يُحمّل رمزا زائدا. وللرجل قد يرتبط في بعض القراءات بعمل سريع الإنجاز، وللتاجر بصفقة صغيرة عاجلة، وكل هذا ظني.
ومن الأمور الدقيقة أن ينتبه الرائي إلى من كان يقلي السمك، فإن كان هو بنفسه فقد يُقرأ ذلك على أنه مباشرة لأمره بيده، وإن كان غيره فقد يُلتفت إلى هذا الغير من باب الإشارة إلى معين أو شريك. ومن الدقائق أيضا الرائحة، فالطيبة منها تُستحسن والمزعجة تُصرف عن الذهن. ويلحظ بعضهم ما يصاحب القلي من بقع الزيت على الثياب أو المكان، فيجعلونه تلميحا إلى كسب لا يخلو من تعب. وهذه التفاصيل لا تغني عن كونها ظنونا.
ومن الناحية النفسية والعملية، قد يعبر هذا الحلم عن ميل إلى الحلول السريعة وعن رغبة في رؤية النتائج دون انتظار طويل. وهذا يدعو إلى مراجعة الصبر والتأني، فالعمل السريع قد ينجح لكنه يحتاج إلى حسن تدبير حتى لا يتحول الدسم إلى إسراف. ويحسن بالإنسان أن يوازن بين سرعة الإنجاز وجودة العمل، وأن يتحرى الحلال في كسبه أيا كانت سرعته. كما أن الاعتدال في الإنفاق ينفع كثيرا في حفظ ما بين اليدين.
وليس في هذه الرؤيا ما يوجب خوفا ولا ما يستدعي فرحا مبالغا فيه، فهي صورة تمر على الذهن كما تمر غيرها. وإن أحب الإنسان أن يتفاءل بها فلا بأس، مع إدراكه أن التفاؤل لا يُغني عن العمل والسعي. وإن أزعجه منها شيء فليتجاهله ولا يحدّث به أحدا يزيده قلقا. والأفضل أن يتعامل مع الحلم على أنه خاطرة عابرة، ويُقبل على يومه بنفس مرتاحة.
ومن اللطائف أن بعض المفسرين ينبّهون إلى ارتباط الصور في الأحلام بما يعيشه الإنسان من أحاديث وروائح ومشاهد في نهاره، فإذا مرّ على مطعم أو مطبخ فلا عجب أن يرى السمك المقلي ليلا. وفي هذا تخفيف عن النفس، لأن كثيرا مما نراه في المنام ليس له معنى يُنتظر. فمن عرف ذلك استراح من عناء التفسير الزائد، وصار أقدر على التمييز بين الخاطر العابر والمعنى الذي قد يتأمله.
وفي الختام نؤكد أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، وأنه لا يصح أن يكون أساسا لقرار حقيقي في المال أو العمل أو غيرهما. وما يخبئه الغد لا يعلمه إلا الله، وما نقرؤه هنا مجرد رموز نستأنس بها. فليكن جواب الإنسان على رؤياه دعاء بالخير وحسن ظن بربه، مع أخذ بالأسباب وتوكل عليه.
