قد يرى الإنسان في منامه أنه يقدّم سمكًا هدية لشخص ما، فيضعه في كيس أو طبق أو سلة ويمدّه إليه بابتسامة، وربما كان المهدى إليه قريبًا أو جارًا أو صديقًا أو غريبًا. وهذا من الأحلام اللطيفة التي تترك في النفس شعورًا بالدفء، وقد يتساءل صاحبها عن معنى العطاء في هذا السياق. وكما هو الحال في الأحلام عامة، فالتفسير رمزي لا حرفي، وما نذكره هنا قراءات يتداولها المهتمون بهذا الباب لا أكثر. فلا يُبنى عليه شيء، وهو غالبًا مرآة لما في النفس من مودة.
والهدية في الأحلام تدل عمومًا على التودد والتقدير وتبادل الخير بين الناس، وهي رمز للعطاء الذي لا يُنتظر مقابل مادي له. وحين تكون الهدية سمكًا فإن الصورة تجمع بين رمز الرزق وبين معنى المشاركة فيه، فكأن الحالم يقتسم مما أنعم الله به عليه. ولذلك يرى بعض من كتبوا في هذا الباب أن إهداء السمك قد يعبّر عن كرم نفس وحرص على صلة الأرحام والجيران والأصدقاء. وقد يرمز في قراءات أخرى إلى رغبة الحالم في أن ينفع غيره بشيء مما وُسّع عليه.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن السمك يدل على الرزق والمال، وأن العطاء في المنام قد يدل على إنفاق أو على صلة. وذهب بعض المفسرين، ومنهم النابلسي في بعض ما نُقل عنه، إلى أن الهدية المقدّمة تُقرأ بحسب نوعها ومن قُدّمت إليه، فقد تدل على مودة أو على قضاء حاجة أو على معروف يُسدى. غير أن المفسرين اختلفوا في تفاصيل ذلك، فلا قاعدة جازمة فيه، وإنما هي اجتهادات تُقال على سبيل الاحتمال والاستئناس.
ويتغير المعنى بحسب من يُقدَّم إليه السمك، فإن كان قريبًا أو صديقًا فقد يُقرأ ذلك على أنه صلة ومودة بينه وبين الحالم، وإن كان غريبًا فقد يدل على كرم عام أو على رغبة في الإحسان للناس. وإن كان المهدى إليه مسؤولًا في عمل أو جهة فقد يعبّر الحلم عن رغبة في كسب رضاه أو تقديره، مع التنبيه إلى أن هذا مجرد تأويل. وإن كان السمك طازجًا مرتبًا فقد يدل ذلك على حسن اختيار العطاء، وإن كان غير ذلك فقد يعبر عن شعور بالتقصير. وطريقة الاستقبال من فرح أو تحفظ تضيف قرينة.
وللرجل قد يتصل الحلم بعلاقاته الاجتماعية ورغبته في توطيدها، أو بعمل خيري يفكر فيه أو بمعروف يود أن يسديه. وللتاجر قد يعبر عن رغبته في بناء علاقات طيبة مع عملائه وشركائه، وهو أمر مألوف في الأسواق. ولمن يعيش بعيدًا عن أهله قد يكون الحلم صدى للشوق ولرغبة في إرسال شيء إليهم. وكل ذلك قراءات معنوية لا تحمل خبرًا عن الغيب.
وللمرأة قد يُفهم الحلم على أنه يعبّر عن حسن ضيافتها وحرصها على مشاركة الجيران والأهل ما عندها. وللمتزوجة قد يعبر عن رغبتها في إدخال السرور على من حولها. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر عن طبع كريم وأخلاق طيبة تودّ أن تُظهرها. وهذه معان وجدانية قريبة تتأثر بحالة كل حالمة.
ومن الدقائق التي يُلتفت إليها شعور المهدى إليه عند الاستلام، فإن فرح فقد يُقرأ ذلك على أن المعروف في موضعه، وإن تردد أو رفض فقد يعبر عن حاجز في العلاقة أو عن خجل. وكيفية تغليف السمك وتقديمه قد تعبّر عن عناية الحالم بالتفاصيل. وإن كان معه من يشاركه الهدية فقد يدل على عمل جماعي في الخير. وإن أهداه ثم ندم فقد يعبر عن تردد داخلي في الإنفاق.
ومن الناحية النفسية، قد يعبّر الحلم عن حاجة الإنسان إلى أن يكون نافعًا لغيره، وعن لذة العطاء التي لا تعدلها لذة. وقد يكون العقل يستعيد موقفًا قريبًا من أهدى فيه أو أُهدي إليه شيء. وفيه تذكير بأن العطاء لا يُقاس بكبر الهدية بل بصفاء النية وحسن القصد. وقد يدعو إلى تجديد الوصل مع من انقطعت عنهم أخبارنا.
ومن الناحية العملية، يمكن أن يُستفاد من الحلم بأن نبادر إلى صلة الأرحام والجيران بما نستطيع من هدية بسيطة أو كلمة طيبة أو زيارة. وفيه معنى الشكر على ما رزقنا الله، فمن شكر استحيا أن يمنع غيره. ومن آداب الهدية أن تكون طيبة وأن تُقدَّم دون منّ ولا أذى، وأن يُراعى فيها حال المهدى إليه. وبهذا يكون الحلم تهذيبًا للقلب لا انتظارًا للنتائج.
وفي الختام، فكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُتخذ سببًا لقرار حقيقي في الإنفاق أو في علاقة أو معاملة بسبب منام. فعلم الغيب عند الله وحده، وما يراه الحالم قد يكون من حديث نفسه وأمنياته. فالأحسن أن يدعو ربه بأن يبارك له في رزقه ويرزقه كرم النفس، وأن يحسن الظن به سبحانه، ثم يمضي في صلته وعمله مطمئنًا.
