يرى بعض الناس في منامهم أنهم يفتحون الثلاجة فيجدون فيها سمكاً محفوظاً، أو يضعون فيها سمكاً ليبقى لوقت لاحق. وهذه صورة منزلية مألوفة، تتصل بما يفعله الناس في أيامهم من حفظ الطعام وتنظيمه. وهي لا تُحمل على ظاهرها، لأن كثيراً من الأحلام امتداد لأعمال اليوم وأفكاره. ولنقرأها بهدوء قراءة رمزية، على أنها استئناس ليس غير.
وأصل رمزية السمك عند من تحدثوا في الرؤى أنه يتصل بالرزق الذي يأتي من الماء بسعي وتدبير. وأما الثلاجة فهي وعاء الحفظ والتبريد، وقد تُقرأ بالقياس على الادخار والاحتياط، وعلى ما يُخبَّأ لوقت الحاجة. فإذا اجتمع السمك والثلاجة قُرئ ذلك رمزياً على رزق محفوظ يُرجى الانتفاع به لاحقاً، أو على اهتمام الرائي بتأمين مستقبله. وقد تُقرأ كذلك على تأجيل أمر أو إبقائه على حاله إلى حين، وهي قراءة احتمالية.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن السمك دال في الجملة على المال والرزق، وأن ما يُحفظ ويُدّخر في الرؤى يدل بحسب حاله على مال مجموع أو أمر مؤجل. وذهب بعض المفسرين إلى أن الأوعية والخزائن في المنام ترتبط بحفظ المال والأسرار. غير أن الثلاجة بشكلها الحديث لم تكن معروفة في زمنهم، فالقياس عليها اجتهاد محدود. ولذلك نذكر هذه الأقوال للاستئناس فقط.
وتتغير القراءة بحسب التفاصيل. فإن كان السمك مرتباً نظيفاً والثلاجة مرتبة فقد يُقرأ ذلك على أنه حسن تدبير وطمأنينة بشأن المستقبل، وإن كان السمك متجمداً جداً فقد يعبّر عن رزق يحتاج إلى وقت حتى يصير صالحاً للانتفاع. وإن وجد الثلاجة فارغة فقد يعبّر عن قلق عابر بشأن المصروف، وإن وجدها ممتلئة فقد يعبّر عن سعة. وللشعور في الحلم أهمية في الفهم.
وللرجل الذي يرى هذا الحلم قد يتصل بتفكيره في الادخار والاحتياط لأسرته. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن حرصها على تدبير مؤونة بيتها. وللفتاة غير المتزوجة قد يتصل برغبتها في تأمين مستقبلها. وللتاجر قد يرتبط بمخزونه وبضاعته المخزنة، ويكون الحلم تذكيراً بمراجعتها. وكل ذلك من باب التأمل ليس إلا.
ومن الدقائق أن يُنظر هل كان الرائي يخرج السمك من الثلاجة ليستعمله أم يضعه فيها، فإخراجه قد يُقرأ على أنه حان وقت الانتفاع بما ادُّخر، ووضعه قد يُقرأ على أنه ادخار للمستقبل. وإن وجد السمك قد فسد فقد يعبّر عن تنبيه إلى متابعة المدخرات والتأكد من سلامتها. ولا يعني ذلك شراً، وإنما هو تنبيه رمزي لحسن الاعتناء.
ومن الجانب النفسي، فإن حلم الثلاجة والطعام المحفوظ يظهر كثيراً عند من يفكرون في الميزانية والتخطيط، أو عند من ينامون جائعين فيشغلهم الطعام. وقد يكون أثر التسوق الأخير أو ترتيب البيت. فالحلم هنا انعكاس بسيط لما يدور في الخاطر، ولا ينبغي أن يُجعل أكبر من ذلك.
وفي الجانب العملي، يمكن أن يكون الحلم دعوة إلى تنظيم المال كما تُنظَّم الثلاجة: ما يُستعمل قريباً يوضع في المتناول، وما يُدخر يحفظ بعناية، وما فسد يُتخلص منه. فالادخار المعتدل من حسن التدبير، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى شح ولا إلى خوف مفرط من الغد. وأحسن المال ما كُسب من حلال وأُنفق باعتدال.
ومن الحكمة أن يوازن الإنسان بين الاحتياط والتوكل، فلا يهمل الأسباب ولا يتعلق بها تعلقاً يُنسيه ربه. فالرزق بيد الله، وما يُدخره الإنسان لا يغني عن الدعاء والشكر. والقناعة بما يكفي تريح القلب من لهاث الجمع. وهذا معنى يستفيده الرائي من غير حاجة إلى غيب.
ومن اللطيف أن يتذكر الإنسان في هذا المقام نعمة الأمان الغذائي التي يعيش فيها كثير من الناس دون أن يلتفتوا إليها، فيشكر الله عليها ويتصدق بما يستطيع. فالإنفاق في وجوه الخير يبارك فيما بقي. وهذه الخلق الكريم أنفع ما يخرج به المرء من الأحلام المنزلية البسيطة.
وقد يرى بعضهم في هذه الصورة معنى نفسياً آخر، وهو الرغبة في الشعور بالأمان من تقلبات الأيام، فالثلاجة العامرة في خيال كثير من الناس رمز للاطمئنان. ومن شعر بمثل هذا الاطمئنان في حلمه فلا بأس أن يستبشر به قلبياً دون أن يبني عليه شيئاً. ومن شعر بالقلق فليجعله دافعاً إلى وضع خطة مالية بسيطة، يتدرج فيها ولا يرهق نفسه. فالتخطيط الهادئ أنفع من الخوف، والأمل المتزن أجمل من اليأس.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في ادخار أو إنفاق أو استثمار. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلنأخذ بالأسباب ونتوجه إليه بالدعاء ونحسن به الظن. نسأل الله أن يبارك لنا في أرزاقنا وما ندخره.
