من الأحلام المألوفة أن يرى الإنسان نفسه في مطبخ بيته أو مطبخ آخر وبين يديه سمك يُنظَّف أو يُجهَّز أو يوضع على النار. وهي صورة يومية بسيطة، تتكرر خصوصاً عند من يشتغلون بالطبخ أو يفكرون في وجبة قادمة. وهذا يدعو إلى عدم التكلف في تفسيرها، فكثير منها صدى ما في النهار. ومع ذلك فيمكن أن تُقرأ رمزاً بهدوء، على سبيل الاستئناس لا الحكم.
وأصل رمزية السمك عند من تحدثوا في الرؤى أنه يتصل بالرزق الذي يأتي من الماء بسعي وتدبير. وأما المطبخ فهو موضع تحويل الرزق الخام إلى طعام صالح للأسرة، وفي الرؤى كثيراً ما يرتبط بتدبير البيت وشؤونه الداخلية. فاجتماعهما قد يُقرأ رمزياً على رزق وصل إلى البيت ويحتاج إلى حسن تدبير وإعداد. وقد يُقرأ كذلك على أنه اهتمام الرائي بشؤون أسرته ومعاشها، وهي قراءة احتمالية.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن السمك دال في الجملة على المال والرزق، وأن الطعام المطبوخ يُنظر فيه إلى ما يدل عليه من حسن الإعداد وطيب الحال. وذهب بعض المفسرين إلى أن ما يُعد من الطعام في البيت يشير إلى ما يُدبَّر من أمور المعاش. وقد اختلفوا في تفصيل هذه الدلالات، ولا قاعدة ثابتة فيها. فنحن نذكرها للعلم والاستئناس.
وتتغير القراءة بحسب التفاصيل. فإن كان السمك طازجاً والمطبخ نظيفاً مرتباً فقد يُقرأ ذلك على أنه صورة من حسن التدبير وطيب العيش، وإن كان المطبخ فوضوياً فقد يعبّر عن انشغال أو تعب. وإن كان الرائي يقلي السمك أو يشويه أو يسلقه فالطريقة قد تعبّر عن ذوقه وعادته أكثر من أي دلالة. وإن احترق الطعام فقد يكون ذلك أثر قلق من تقصير، لا أكثر.
وللمرأة المتزوجة التي ترى هذا الحلم قد يرتبط بهمّ البيت وإعداد الطعام وإرضاء الأسرة، فهو غالباً حلم يومي مألوف. وللرجل قد يرتبط بتفكيره في النفقة وما يحتاجه أهله. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن تهيؤ نفسي لبيت مستقبلي أو عن مساعدة أهلها. وللحامل قد يعبّر عن اشتهاء الطعام أو اهتمامها بغذاء مولودها المنتظر. وكل هذه المعاني تُقال تأملاً.
ومن الدقائق أن يُلاحظ هل كان الرائي يطبخ لأسرته أم لضيوف، وهل كان وحده أم معه من يعاونه. فالطبخ للضيوف قد يُقرأ رمزاً على كرم وتهيؤ لاستقبال خير، والمعاونة قد تعبّر عن تعاون في البيت. وإن كان الطعام كثيراً فقد يرمز إلى سعة، وإن كان قليلاً فقد يعبّر عن بساطة. ولا حاجة إلى التعمق في كل تفصيلة.
ومن الجانب النفسي، فإن الحلم بالمطبخ والطعام يرتبط كثيراً بما يفكر فيه الإنسان من وجبات وأعباء المنزل، وقد يكون من أثر مشاهدة برنامج طبخ أو جوع قبل النوم أو رائحة طعام في البيت. فالعقل ينسج هذه الأحداث البسيطة في صور حلم. وهذا يدعو إلى الطمأنينة، فالأمر يومي عادي لا يحمل غموضاً.
وفي الجانب العملي، يمكن أن يتخذ الإنسان من الحلم تذكرة بنعمة الطعام الطيب والبيت الدافئ، فيشكر الله عليها ولا يسرف فيها. ويحسن به أن يحفظ الطعام ويقتصد في الشراء ويتجنب الهدر، فالاقتصاد في الإنفاق من أسباب بقاء البركة. ويمكن أن يستثمر الوقت في إعداد وجبة يجتمع عليها أهله، فالاجتماع على الطعام من أجمل ما يزيد المودة.
ومن اللطيف أن يتذكر الإنسان في مثل هذا الحلم أن أكبر البركة في الطعام القليل يجتمع عليه الأحبة بسكينة. وأن ما يُعد بيد المحبة أطيب في النفس مما يُشترى جاهزاً. وبهذا تتحول الصورة اليومية إلى باعث على الامتنان والقناعة وحسن العشرة.
وقد يجد الإنسان من المفيد أن يشارك طعامه مع جار أو محتاج بين حين وآخر، فالعطاء يوسع الصدر ويربط القلوب. وهذا من الأعمال الطيبة التي تثمر راحة نفسية ظاهرة. ولا علاقة لذلك بتفسير الحلم، لكنه من خير ما يُفعل عند رؤية نعمة.
ومن الأمور التي قد تُقال في هذا المقام أن المطبخ مكان تلتقي فيه النار والماء والملح، فهو في أحلام الناس رمز لتحويل الأشياء من حال إلى حال بالجهد والصبر. وكذلك الرزق يحتاج إلى معالجة وإعداد قبل أن ينفع، فلا يكفي أن يصل إلى اليد. وهذا معنى حياتي مألوف يستأنس به الإنسان، ولا يعدّه وعداً من الحلم. وفيه ما يشجع على تقدير الجهود الخفية التي تقوم بها الأسر في بيوتها كل يوم.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في إنفاق أو عمل أو غيره. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلنأخذ بالأسباب ونتوجه إليه بالدعاء ونحسن به الظن. نسأل الله أن يبارك لنا في بيوتنا وأرزاقنا.
