رؤية السمك في الفم من الصور الغريبة التي قد يراها الإنسان في منامه، وقد تثير فيه الدهشة أو الانزعاج أو الضحك بحسب طبيعة الحلم. ولهذا فإن أول ما ينبغي قوله هو التهدئة، فالأحلام الغريبة كثيرة ولا يلزم أن يكون لها معنى. وما سنذكره هنا قراءة رمزية حذرة لا تُحمل على ظاهرها، ولا تدل على أمر بعينه في الواقع. وإنما نعرض ما قد يتأمله بعض أهل التعبير في الجمع بين السمك والفم، دون جزم.
الفم في الرموز العامة يرتبط بالكلام والطعام والتناول، والسمك يرتبط بالرزق الخارج من الماء. فقد يُقرأ الجمع بينهما على أنه إشارة رمزية إلى رزق يتصل بالكلام أو الطعام، أو إلى شيء يُتناول ويدخل في حياة الإنسان. ويرى بعضهم أن في الصورة معنى الانشغال بأمر يُقال أو يُؤكل، فيكون الحلم تعبيرا عن شعور بالامتلاء أو الحاجة إلى التعبير. وقد تُقرأ كذلك على أنها فرصة مرتبطة بالكلمة والحديث والتواصل. وهذه معان محتملة لا يُجزم بها، والأمر عند المفسرين مبني على الاجتهاد.
نُسب إلى ابن سيرين أن السمك يُحمل على الرزق والمال، وأن الفم يُنظر إليه من جهة الكلام والأكل وما يخرج منه وما يدخل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يدخل الفم في المنام قد يرتبط بالانتفاع أو بما يتعلق بالقول، وإن اختلفت الاعتبارات بحسب نوع الشيء. وهذه الأقوال تُنقل على أنها آراء لبعض المفسرين لا قواعد ثابتة، وقد اختلفت عباراتهم اختلافا واسعا. ولا ينبغي أن يُنسب إليهم قول جازم في السمك في الفم بعينه، فمثل هذه الصور النادرة لم يُنقل فيها كلام موثق. فهي إشارات للاستئناس.
يتغير المعنى بحسب حال السمكة وشعور الرائي، فإن كانت صغيرة وخرجت بسهولة دون ضيق فقد تُقرأ على أنها أمر عارض يمر. وإن كانت تسبب ضيقا أو شعورا بالاختناق فقد يكون الحلم أقرب إلى انعكاس لضيق نفسي أو جسدي، كصعوبة في التعبير أو إجهاد، وهو أمر لا يُحمَّل على الغيب. وتختلف الدلالة بين أن يكون الفم ممتلئا بالسمك وأن تكون سمكة واحدة، وبين أن يضعها الرائي بنفسه أو تدخل بلا إرادة. وشعور الرائي هنا هو العامل الأهم.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ هذا الحلم على أنه صورة لأمر تود التعبير عنه أو كلمة تريد قولها، ويبقى ذلك احتمالا فقط. وللمرأة المتزوجة قد يوحي برغبة في الحوار والتفاهم داخل الأسرة، أو بشعور بكتمان ما تريد قوله. وللحامل قد يكون الحلم أثرا من تقلب الشهية والروائح أو من حساسية الحمل، وهو معروف نفسيا وجسديا ولا يُحمَّل رمزا. وللرجل قد يرتبط بأمر في عمله يحتاج فيه إلى كلمة حاسمة، وللتاجر بحديث تفاوض، وكله اجتهاد ظني.
ومن التفاصيل الدقيقة أن يتذكر الرائي هل كانت السمكة حية تتحرك أم ساكنة، وهل كانت كاملة أم قطعة، وهل شعر بطعم أو رائحة. فالطعم الحسن قد يُقرأ على انتفاع والطعم المنفر على ضيق. وكذلك وضع الرائي، أكان يتكلم أم ساكتا، وهل كان معه أحد. ومن اللطائف أن الأحلام التي تدور حول الفم كثيرا ما تأتي حين ينام الإنسان بوضع غير مريح أو بعد طعام ثقيل، فتكون أثرا جسديا أكثر منها رمزيا.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تعبر هذه الرؤيا عن شعور الإنسان بالحاجة إلى التعبير عن نفسه أو بالامتلاء بما لا يستطيع قوله. وفي هذا دعوة إلى أن يجد طريقا هادئا للحوار مع من يثق بهم، وأن يعتني بكلامه فلا يقول إلا خيرا. فالكلمة الطيبة رزق، والصمت عند الحاجة حكمة. ويحسن بمن رآها أن يراجع عاداته في الأكل والنوم، وأن يشكر الله على نعمة الكلام والطعام.
وإذا استيقظ الإنسان منزعجا فليأخذ نفسا عميقا وليذكر الله، وليبتعد عن الاسترسال في التفكير بما رأى. فالأحلام الغريبة تزول بزوال أسبابها من تعب أو سهر أو كثرة تفكير. ولا داعي لإخبار أحد بما يزعجه، فربما أثار قلقه بلا فائدة. والأولى أن يعود إلى يومه وأعماله بنفس مطمئنة.
وليتذكر المرء أن تأمل الأحلام لا ينبغي أن يتحول إلى عبء أو وسواس، وأن الأصل في الحياة العمل بالأسباب وحسن التوكل. فمن أخذ من الرؤيا عبرة فقد انتفع، ومن لم يأخذ فلا يضره. ولا يُحاسب أحد على ما يراه في نومه، فالنائم لا يملك صوره. وبهذا يتخفف الإنسان من أعباء التأويل.
وفي الختام نؤكد أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، وفي مثل هذه الصور النادرة أضعف، ولا يصح أن يكون سندا لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الزواج أو غيرها. وما سيأتي به الغد علمه عند الله وحده. فليكن جواب المرء على رؤياه دعاء بالخير وحسن ظن بالله وأخذا بالأسباب المشروعة وتوكلا عليه.
