رؤية السمك في الشبكة صورة مألوفة من حياة الصيادين، حيث تُنشر الشبكة في الماء ثم تُسحب وقد علق بها ما علق. وقد يرى الإنسان نفسه ممسكا بالشبكة أو يرى غيره يحملها أو يشاهدها من بعيد على الشاطئ أو في قارب. ومن المهم أن نذكّر بأن التفسير هنا رمزي لا يُحمل على ظاهره، ولا يدل على أمر بعينه في الواقع. وإنما نعرض ما تأمله بعض أهل التعبير في معنى الرزق الذي يُجمع بالشبكة.
الشبكة أداة تدبير وسعي، فهي لا تعمل وحدها بل يعدّها الصياد وينشرها ويصبر عليها. ولذلك قد يُقرأ السمك في الشبكة على أنه رمز لرزق جاء بعد تدبير وإعداد وصبر، أو لحصيلة جهد منظم. ويرى بعضهم أن الشبكة تشير إلى الأسباب التي يتخذها الإنسان، وأن ما يعلق بها هو ثمرة ذلك. وقد تُقرأ كذلك على أنها رمز لجماعة أو علاقات تُجمع بها الفرص. وهذه كلها معان محتملة لا يُجزم بها، ويتفاوت فيها المفسرون.
نُسب إلى ابن سيرين أن السمك يُحمل على الرزق والمال، وأن ما يكون بأداة وحيلة وتدبير يُنظر فيه من جهة السعي والطلب. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يُصطاد به في المنام يدل في بعض السياقات على كسب بحيلة أو جهد أو معرفة بطريق الأمور. وهذه الأقوال تُنقل على أنها آراء لبعض المفسرين لا قواعد ثابتة، وقد اختلفت عباراتهم اختلافا كبيرا. ولا ينبغي أن يُنسب إليهم قول جازم في السمك في الشبكة بعينه، ولا أن تُفسَّر الحيلة على غير ما قصدوا من تدبير الأسباب. فهي إشارات للاستئناس.
يتغير المعنى بحسب ما في الشبكة وحالها، فإن كانت ممتلئة بسمك حي نظيف فهي أقرب إلى معاني الثمرة الطيبة بعد تدبير. وإن كانت ممزقة أو فارغة أو علق فيها غير السمك فقد يُقرأ على أن الجهد يحتاج إلى مراجعة وإصلاح أدوات. وتختلف الدلالة بين أن يكون الرائي هو الصياد أو غيره، وبين أن تكون الشبكة قريبة منه أو بعيدة. ويؤثر شعور الرائي، فالفرح بالحصيلة غير الإرهاق من السحب. وهذه القرائن يلتفت إليها المفسرون.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ السمك في الشبكة على أنه صورة لجهد تبذله في دراسة أو عمل يبدأ في الإثمار، ويبقى ذلك احتمالا فقط. وللمرأة المتزوجة قد يوحي بتدبيرها لشؤون بيتها وحسن جمعها للمنافع، أو بشبكة علاقاتها الأسرية والاجتماعية. وللحامل قد يعكس شعورها بأن الأمور تتجمع وتستعد لمرحلة قادمة، وهو معنى نفسي. وللرجل قد يدل على ثمرة سعيه، وللتاجر على صفقات جمعها بحسن تدبير، وكله اجتهاد ظني.
ومن التفاصيل الدقيقة أن يتذكر الرائي حجم فتحات الشبكة وقوة خيوطها، فالمحكمة تُقرأ على حسن إعداد والواسعة المهترئة على إهمال. وكذلك وزن الشبكة عند سحبها، فالثقيلة قد توحي بكثرة الحصيلة أو بمشقتها، والخفيفة بقلتها أو بسهولتها. ويلاحظ بعضهم الأسماك التي تفلت من الشبكة، فيجعلونها إشارة إلى ما قد يفوت المرء إن لم يُحسن الإمساك. وهذه كلها ظلال معنى لا أكثر.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تعبر هذه الرؤيا عن إحساس الإنسان بأن جهده مرتب وقد يُثمر، أو بقلقه من أن يذهب تعبه سدى. وهي تذكير لطيف بأهمية الإعداد والصبر وإصلاح الأدوات قبل الشروع، فكما أن الصياد يتفقد شبكته كذلك العامل يتفقد وسائله. ويحسن بمن رآها أن يراجع خططه وأن يتحرى الحلال في طرق كسبه. فبهذا يجمع بين الأخذ بالأسباب وحسن التوكل.
وقد يكون مشهد الشبكة في الحلم دعوة إلى التعاون، فالشبكة الكبيرة غالبا تُسحب بأيدٍ كثيرة، وفي ذلك معنى المشاركة والتكاتف. ومن رأى ذلك فله أن يتأمل في علاقاته بمن يعمل معهم، وأن يحسن إليهم. وهذا معنى أخلاقي ينفع في الواقع، ولا يحتاج إلى ادعاء علم بما سيقع. ومن لم يجد فيه ما يشغله فليتجاوزه.
وإذا أعجب الرائي بما حملته الشبكة فله أن يحمد الله، وإن أزعجه ما رأى فيها فليصرف ذهنه إلى الأعمال النافعة. وليتذكر أن الأحلام تخلط بين الأشياء، فقد يكون في الشبكة ما لا يشبه الواقع. والأولى ألا يعلق عليها وعدا ولا وعيدا، وأن يبقى حاضر الذهن في يومه.
وفي الختام نؤكد أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون سندا لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الزواج أو غيرها. وما سيجلبه الغد علمه عند الله وحده، وكل ما قيل رموز نتأملها بتواضع. فليكن جواب المرء على رؤياه دعاء بالخير وحسن ظن بالله وأخذا بالأسباب المشروعة وتوكلا عليه.
