رؤية السمك في الجيب من الصور الغريبة المضحكة أحيانا، فالجيب مكان للأشياء الصغيرة اليابسة، وليس للسمك الذي يحتاج إلى الماء. وقد يجد الرائي في جيب ثوبه سمكة صغيرة أو يضعها بنفسه فيه، فيعجب من ذلك في منامه. ومن المهم أن نذكّر بأن الأحلام مليئة بالصور غير المألوفة، وأن ما يُذكر هنا قراءة رمزية لا تُحمل على ظاهرها. وهي لا تدل على أمر معين في الواقع، وإنما نعرض فيها ما تأمله بعض المفسرين بالقياس.
الجيب في الرموز العامة موضع ما يخفيه الإنسان ويحفظه قريبا منه، كالمال والأشياء الخاصة. والسمك يرتبط بالرزق الخارج من الماء. فقد يُقرأ اجتماعهما على أنه صورة لرزق مستور مخبوء، أو لشيء قيّم يحمله صاحبه دون أن يعلم به الناس. ويرى بعضهم أن الجيب قد يرمز إلى الادخار الخاص أو إلى سرّ يحتفظ به الإنسان. وقد تُقرأ الرؤيا كذلك على أنها غرابة موقف يتطلب تدبيرا عاجلا، فالسمك في الجيب لن يبقى طويلا بلا ماء. وهذه معان قياسية محتملة لا يُقطع بها.
نُسب إلى ابن سيرين أن السمك يُحمل على الرزق والمال، وأن الجيب من الأوعية الصغيرة التي يُنظر إليها من جهة الحفظ والكتمان. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يوضع في الثياب والأوعية قد يتصل بالمال المحفوظ أو الأمور المستورة بحسب الحال. وهذه الأقوال تُنقل على أنها اجتهادات لبعض المفسرين، ولا يُعرف لهم نص خاص في السمك في الجيب. ولذلك ينبغي أن يُعلم أن ما يُقال هنا إنما هو بالمقايسة على أمور مجاورة. فهي إشارات للاستئناس لا حجة.
يتغير المعنى بحسب حال السمكة والجيب، فإن كانت صغيرة نظيفة وأخرجها الرائي بهدوء فهي أقرب إلى معاني الخير الذي يُحمل ويُخرج في وقته. وإن كانت تبلل الثياب وتزعج الرائي فقد يُقرأ ذلك على أمر مستور يتعبه حمله أو إخفاؤه. وتختلف الدلالة بين أن يعلم الرائي بوجودها وأن يفاجأ بها، فالمفاجأة قد تدل على خير غير متوقع أو غفلة عن شيء. ويؤثر شعور الرائي، فالدهشة السارة غير الحرج والانزعاج. وهذه قرائن مهمة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ السمك في الجيب على أنه صورة لسرّ جميل تحتفظ به أو أمل تخفيه، ويبقى ذلك احتمالا فقط. وللمرأة المتزوجة قد يوحي بمدخرات صغيرة تحفظها لأسرتها، أو بأمر تكتمه حتى يحين وقته. وللحامل قد يعكس شعورها بأنها تحمل شيئا ثمينا قريبا منها، وهو معنى عاطفي لطيف. وللرجل قد يدل على كسب صغير غير معلن، وللتاجر على ربح خفي أو معلومة يحتفظ بها، وكله اجتهاد ظني بالقياس.
ومن التفاصيل الدقيقة أن يتذكر الرائي أي جيب كان، أهو جيب القميص القريب من القلب أم جيب السروال، وهل كان مفتوحا أم مغلقا. فالقريب من القلب قد يُقرأ على أنه أمر عزيز، والمغلق على الكتمان. وكذلك الرائحة التي أحس بها وهل شعر أحد من الناس بها. ومن اللطائف أن صورة السمك في الجيب قد تأتي بعد موقف لُبس فيه الإنسان بما يخجله، فيكون الحلم تعبيرا عن الحرج لا أكثر.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تعبر هذه الرؤيا عن إحساس الإنسان بأن لديه شيئا قيّما لم يُظهره، كموهبة أو مدخرات أو فكرة. وفي هذا دعوة إلى التفكير في كيفية إخراج ما يحمله بحكمة، وفي الصدق مع النفس حول ما يخفيه. فبعض الكتمان حكمة وبعضه خوف، والتمييز بينهما ينفع. ويحسن أن يتحرى المرء الحلال في ما يدخره، وأن يحمد الله على ما أعطاه.
وقد يكون الحلم إشارة نفسية إلى الخوف من افتضاح أمر ما أو من أن يُعرف ما لا يريد إظهاره. وهذا شعور إنساني معروف، وعلاجه الصدق والاستقامة والتخفف من الأسرار التي تثقل. فمن كان صافي السريرة قل خوفه من الانكشاف. وهذا معنى أخلاقي لا غيبي، يمكن أن ينتفع به كل أحد دون ادعاء علم بالمستقبل.
وإذا رأى الإنسان هذه الصورة فتعجب أو ضحك فلا بأس، فالأحلام تلعب بالمألوف وتخلط الأشياء. ولا يحتاج الأمر إلى تأويل متكلف أو سؤال كثير. ومن أراد أن يأخذ منها فكرة عن الكتمان والادخار فله ذلك باعتدال. وليتذكر أن الأحلام لا تقرر مصيرا ولا تغير قدرا.
وفي الختام نؤكد أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، وفي مثل هذه الصور النادرة أضعف، ولا يصح أن يكون سندا لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الزواج أو غيرها. وما يخفيه الغد علمه عند الله وحده. فليكن جواب المرء على رؤياه دعاء بالخير وحسن ظن بالله وأخذا بالأسباب المشروعة وتوكلا عليه.
