رؤية السمك في النهر صورة هادئة مألوفة، فالنهر ماء جارٍ ينساب بين الضفتين، والسمك فيه يتحرك مع التيار أو ضده. وكثيرا ما ترتبط هذه الصورة في الذهن بالسكينة والبساطة والحياة الريفية أو بالمدن التي تمتد على ضفاف الأنهار. ومن المهم أن نذكّر بأن التفسير هنا رمزي لا يُحمل على ظاهره، ولا يدل على أمر بعينه في الواقع. وإنما نعرض ما تأمله بعض أهل التعبير في معنى اقتران السمك بالماء الجاري.
يختلف النهر عن البحر في أنه محدود الضفاف جارٍ في اتجاه واضح، فهو في الرمز أقرب إلى الرزق المتجدد القريب الذي يجري في حياة الناس اليومية. فقد تُقرأ الرؤيا على أنها صورة لكسب منتظم مستمر لا ينقطع، أو لعمل ثابت يدر دخلا بتؤدة. ويرى بعضهم أن جريان الماء يوحي بمرور الأيام وبتغير الأحوال، وأن السمك فيه يمثل ما يحمله الزمن من أرزاق. وقد يُقرأ كذلك على أنه رزق يحتاج إلى متابعة وانتباه، فالتيار لا يتوقف. وهذه معان محتملة لا يُجزم بها.
نُسب إلى ابن سيرين أن الماء الجاري في المنام يُحمل في بعض السياقات على الحياة والمعاش وما يجري على الإنسان من أحوال، وأن السمك يُحمل على الرزق. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأنهار تُقرأ أحيانا على الخير والنفع العام أو على من ينتفع الناس بهم، مع تفاوت بين المفسرين. وهذه الأقوال تُنقل على أنها قراءات لبعض أهل التعبير، وليست قواعد ثابتة، وقد تباينت عباراتهم تباينا واضحا. ولا ينبغي أن يُنسب إليهم قول قاطع في السمك في النهر. فهي إشارات للتأمل والاستئناس لا غير.
يتغير المعنى بحسب حال النهر وجريانه، فإن كان صافيا هادئ الجريان يُرى السمك فيه واضحا فهو أقرب إلى معاني الخير المنتظم والراحة. وإن كان عكرا سريع التيار فقد يُقرأ على أن الأمور متقلبة تحتاج إلى ثبات وحذر. وتختلف الدلالة بين أن يكون الرائي على الضفة أو في الماء أو على جسر، فكل موضع يوحي بدرجة مختلفة من القرب. ويؤثر شعور الرائي، فالسرور بالمنظر غير التوجس من الجريان. وهذه من القرائن التي يلتفت إليها المفسرون.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ السمك في النهر على أنه صورة لأيام تمضي بهدوء وفرص تأتي على مهل، ويبقى ذلك احتمالا فقط. وللمرأة المتزوجة قد يوحي باستمرار الخير في بيتها وانتظام أحوال أسرتها. وللحامل قد يعكس الشعور بتدفق الأيام نحو موعد منتظر، وهو معنى نفسي في الأغلب. وللرجل قد يدل على كسب ثابت من عمل مستمر، وللتاجر على تجارة دائمة التدفق مع زبائن منتظمين، وكله اجتهاد ظني.
ومن التفاصيل الدقيقة أن يتذكر الرائي اتجاه الجريان وسرعته، فالجريان البطيء قد يوحي بالأناة والاستقرار، والسريع بالتغير والحاجة إلى المتابعة. وكذلك ما على الضفتين من أشجار وبيوت وقوارب، فالخضرة قد توحي بالنماء والقوارب بالعمل المشترك. ويلاحظ بعضهم هل كان السمك يسبح مع التيار أم عكسه، فالأول قد يُقرأ على سهولة الأمر والثاني على بذل جهد. وهذه كلها ظلال معنى لا أكثر.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تعبر هذه الرؤيا عن حاجة الإنسان إلى انتظام وهدوء في معاشه، أو عن شعوره بأن أيامه تجري دون أن يتوقف عند ما يجمعه فيها. وهي تذكير لطيف بأن الرزق كثيرا ما يأتي مع الاستمرار والمثابرة، لا بالطفرات. ويحسن بمن رآها أن يعتني بما يستمر من أعماله ومداخيله، وأن يحمد الله على ما يجري عليه من خير. فالقناعة تجعل الجريان الهادئ للأيام نعمة لا مللا.
وقد يكون النهر في الحلم صدى لحنين الإنسان إلى مكان يعرفه أو إلى طفولة أو إلى رحلة سابقة، وهذا من أكثر ما تأتي به الأحلام. فلا ينبغي أن يُحمّل المشهد ما لا يحتمل، ولا أن يُنتزع منه معنى بعيد. ومن أراد أن يستفيد فليعدّه دعوة إلى التأمل في ما يجري في حياته وإلى إعادة ترتيب أيامه. وهذا النفع النفسي يكفي ولا يحتاج إلى زيادة.
وإذا رأى الإنسان ما يعجبه فليكتفِ بالدعاء بالخير وحمد الله، وإذا رأى ما يقلقه فليذكر أن النهر قد يكون رمزا لما يمر ولا يبقى. وليتجنب الإكثار من الحديث عن رؤياه، فكثرة الأسئلة قد تأتي بتفسيرات متضاربة تزيد الحيرة. والخير أن يعود إلى عمله ويتوكل على ربه، وأن يجعل همه إتقان ما بين يديه.
وفي الختام نؤكد أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون سندا لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الزواج أو غيرها. وما ستجلبه الأيام علمه عند الله وحده، وكل ما قيل رموز نتأملها بتواضع. فليكن جواب المرء على رؤياه دعاء بالخير وحسن ظن بالله وأخذا بالأسباب المشروعة وتوكلا عليه.
