رؤية السمك في البحر من أوسع صور السمك أفقا، فالبحر الممتد يحمل في الأذهان معنى السعة والعمق والمجهول، والسمك فيه جزء من هذا العالم الكبير. ومن رأى هذا المشهد في منامه قد يشعر بالرهبة أو بالسكينة بحسب حال البحر، وقد يتساءل عن معناه. والجواب أن التفسير رمزي لا يُحمل على ظاهره، ولا يدل على أمر بعينه في الواقع. وإنما نعرض ما قاله بعض المفسرين في دلالة اجتماع السمك والبحر.
يقترن البحر في عرف أهل التعبير بالسعة وبمن له شأن كبير أو بمصدر عظيم للخير، ويقترن السمك بالرزق الخارج من الماء. فقد تُقرأ الرؤيا على أنها صورة لرزق واسع بعيد المدى، أو لفرص كبيرة لا تُحصى، أو لأحوال تتعلق بالسفر والتجارة البعيدة. ويرى بعضهم أن البحر بعمقه قد يوحي بأمور مجهولة تحتاج إلى حكمة في الإقدام عليها. وقد يُقرأ كذلك على أنه تأمل في سعة رحمة الله وكرمه دون جزم بشيء محدد. وهذه معان محتملة يتفاوت فيها المفسرون.
نُسب إلى ابن سيرين أن البحر في المنام يُحمل في الجملة على الاتساع وعلى صاحب القدرة والمكانة، وأن السمك يُحمل على الرزق والمال. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى معان قريبة في ربط البحر بالأحوال الكبرى وما يتصل بها من الخير أو المشقة بحسب حاله. وهذه الأقوال تُنقل على أنها اجتهادات لبعض المفسرين، وقد تباينت عباراتهم وتفاصيلهم تباينا كبيرا. ولا ينبغي أن يُنسب إليهم قول قاطع في السمك في البحر، فكل تفسير هنا يتبع التفاصيل. فهي إشارات للاستئناس لا حجة.
يتغير المعنى بحسب حال البحر وما يصاحبه، فإن كان هادئا صافيا يُرى السمك فيه واضحا فهو أقرب إلى معاني السعة والطمأنينة. وإن كان مضطربا عالي الموج فقد يُقرأ على أن الطريق إلى الرزق يحتاج إلى شجاعة وحذر وتأنٍّ. وتختلف الدلالة بين أن يكون الرائي على الشاطئ أو في قارب أو في الماء، فكل موضع يوحي بقرب مختلف من الأمر. ويؤثر شعور الرائي، فالسكينة غير الخوف، والمفسرون يلتفتون إليه. وهذا من أهم القرائن.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ السمك في البحر على أنه صورة لآفاق واسعة أمامها في دراسة أو عمل أو تجربة، ويبقى ذلك احتمالا فقط. وللمرأة المتزوجة قد يوحي بتطلعات أوسع في حياتها الأسرية أو بتفكير في مستقبل العائلة. وللحامل قد يعكس شعورها بسعة ما ينتظرها وغموضه، وهو شعور إنساني طبيعي. وللرجل قد يدل على أعمال كبيرة أو أسفار، وللتاجر على تجارة تتجاوز حدود المدينة، وكله اجتهاد ظني.
ومن التفاصيل الدقيقة أن يتذكر الرائي لون البحر وعمقه وصفاء مائه وهل يرى القاع أم لا. فالقاع الظاهر قد يوحي بوضوح في الأمور، والعمق المظلم بغموض يحتاج إلى تأنٍّ. وكذلك هل كان السمك قريبا من السطح أم في الأعماق، فالأول قد يوحي بقرب المنال والثاني ببعده وحاجته إلى جهد. ويلاحظ بعضهم الطيور والسفن والأشرعة التي تظهر في المشهد، فتضيف إليه معاني السفر والمشاركة.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تعبر هذه الرؤيا عن تطلع الإنسان إلى أفق أوسع من حياته الحالية، أو عن شعور بالتيه أمام كثرة الخيارات. وفي هذا دعوة إلى التخطيط الهادئ والاستعانة بأهل الخبرة، وعدم الاندفاع في مغامرات غير محسوبة. فمن ركب البحر احتاج إلى عدّة وصبر ومعرفة، وكذلك من طلب الرزق في آفاق بعيدة. ويحسن أن يشكر الإنسان ما بين يديه وهو يتطلع إلى الأبعد.
وقد يكون البحر في الحلم صدى لرحلة أو لمشهد شاهده الرائي أو لشوق إلى الراحة والتأمل. فكثير من الناس تتسلل إلى أحلامهم صور البحر بعد إجازة أو فيلم أو حديث عن السفر. وهذا يخفف من حرص الإنسان على استخراج معنى لكل تفصيلة، ويذكّره بأن الخيال يبني من المألوف صورا جديدة. ومن أراد الاستفادة فليأخذ منه الهدوء والتأمل.
وإذا أحس الرائي بالاطمئنان فليحمد الله، وإن أحس برهبة فليستعذ بالله من الوسوسة وليصرف ذهنه عنها. ولا حاجة إلى أن يمنع نفسه من الحركة والعمل خوفا مما رأى، ولا إلى أن يتعجل في مشروع كبير رجاء ما رأى. فالاعتدال بين الخوف والرجاء أحسن حال، وهو ما يحفظ للإنسان توازنه. وفي ذلك راحة له ولمن حوله.
وفي الختام نؤكد أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون سندا لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الزواج أو السفر أو غيرها. وما سيأتي به الغد لا يحيط به إلا الله، وكل ما قيل رموز نتأملها بتواضع. فليكن جواب المرء على رؤياه دعاء بالخير وحسن ظن بالله وأخذا بالأسباب وتوكلا عليه.
