قد يرى النائم نفسه في سوق السمك، بين الأكشاك والموائد المرصوصة والأصوات المتداخلة للباعة والمشترين، وروائح البحر تملأ المكان وأكوام السمك تلمع تحت الضوء. وهو مشهد حيّ مزدحم يختلف عن سكينة الصيد عند الماء، ولذلك قد يشعر صاحبه بالحماس أو بشيء من الارتباك. وتبقى القاعدة أن الأحلام رموز لا تُقرأ حرفيًا، وأن ما يرد هنا قراءات متداولة تقدَّم بهدوء ودون جزم. فليكن الحالم مطمئنًا، فهذا مشهد مألوف ولا يحمل في ذاته ما يخيف.
والسوق في الأحلام عمومًا يرمز إلى ميدان التعامل والمعاش وتبادل المنافع، وإلى ما فيه من أخذ وعطاء وتنافس. وإذا اجتمع السوق مع السمك فالصورة تدمج بين رمز الرزق الخارج من الماء ورمز الأسواق التي يتداول الناس فيها حاجاتهم. ولذلك يرى بعض من كتبوا في هذا الباب أن سوق السمك قد يعبّر عن مجال الكسب الذي يتحرك فيه الحالم، أو عن تفكيره في شؤون البيع والشراء وتدبير المال. وقد تكون كثرة الناس رمزًا لكثرة الفرص كما قد تكون رمزًا لكثرة المنافسين.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن السمك يدل على الرزق والمال، وأن الأسواق موضع المعاملات والكسب. وذهب بعض المفسرين، ومنهم النابلسي في بعض ما نُقل عنه، إلى أن حال السوق في المنام يُقاس بحاله من كثرة وقلة ورواج وكساد. ومن ثمّ قد يُفهم أن رواج سوق السمك في الحلم يشير إلى رواج في أبواب المعاش، وأن كساده قد يشير إلى ركود. لكن المفسرين اختلفوا في تفاصيل ذلك، ولا قاعدة مطّردة فيه، فهي اجتهادات يُستأنس بها فحسب.
ويتغير المعنى بتغير حال السوق في الحلم، فإن كان نظيفًا منظمًا فقد يُقرأ ذلك على أن الأمور يسيرة مرتبة، وإن كان فوضويًا مزدحمًا فقد يُفهم منه أن الحالم منشغل بأمور كثيرة متداخلة. وإن كان السمك طازجًا لامعًا فقد يدل ذلك على جودة ما يأمل، وإن كان فاسدًا فقد يكون تنبيهًا إلى التدقيق في الاختيار. وإن كان الحالم يتجول وحده فقد يعبّر ذلك عن تأمل وتفكير في الخيارات، وإن كان مع أحد فقد يدل على استشارة.
وللرجل قد يتصل الحلم بشؤون عمله وتجارته وعلاقاته بالناس في ميدان الكسب، فهو صورة لما يشغل باله من حساب وتدبير. وللتاجر قد يعكس مرحلة يفكر فيها في السلع والأسعار والعروض، وهو تفكير مشروع لا يلزم أن يكون وراءه خبر. ومن لا يعمل في التجارة قد يرى فيه تعبيرًا عن رغبته في أن تتسع أبواب رزقه. فالقراءة مرتبطة بالحالم وما يعيشه.
وللمرأة قد يُقرأ الحلم على أنه يتصل بتدبير شؤون البيت وشراء حاجاته وإدارة ميزانيته، وهو ميدان تتقنه كثير من النساء. وللمرأة العاملة قد يعبر عن انشغالها بأمور البيع والشراء في عملها. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر عن رغبة في الاستقلال المالي وتجربة الحياة العملية. وليس في ذلك ما يُنسب إلى الحلم من وعود أو إنذارات.
ومن الدقائق التي تُلتفت إليها الأصوات والروائح، فالأصوات العالية قد تدل على ضجيج الحياة وانشغالها، والرائحة الطيبة المنعشة قد تدل على أجواء مريحة. ومشاهدة الأسعار والمساومة قد تعبّر عن حرص على الاعتدال في الإنفاق. وإن رأى الحالم نفسه يشتري ويبيع في الوقت نفسه فقد يُقرأ ذلك على أنه دورة مال وحركة. وإن لم يشترِ شيئًا واكتفى بالمشاهدة فقد يدل على ترقب وتأنٍّ.
ومن الناحية النفسية، فالحلم قد يعكس إحساسنا بكثرة الخيارات والمتطلبات اليومية، أو رغبتنا في أن نجد ما يناسبنا بين ما يُعرض علينا. وقد يعبّر عن توق إلى الوفرة والتنوع، أو عن قلق من ارتفاع الأسعار وضيق الحال. وفيه تذكير بأن الاختيار الجيد يحتاج إلى هدوء وبصيرة وسؤال أهل الخبرة. وقد يدعو إلى مراجعة النفقات ووضع أولويات واضحة.
ومن الناحية العملية، يمكن أن يُستفاد منه بأن نتحرى الجودة والأمانة في تعاملاتنا، وأن نقدّر أصحاب الأعمال الشريفة الذين يخرجون إلى أسواقهم قبل الفجر. وفيه معنى الشكر على أن في الأرض أسبابًا كثيرة للرزق، فلا ينبغي أن يضيق الإنسان بباب واحد. ومن الجميل أن يكون الإنسان سمحًا في بيعه وشرائه، رفيقًا بمن يعامله. وبذلك يصير الحلم مناسبة لتحسين المعاملات لا لانتظار أحداث.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا ضمان فيه، ولا يجوز أن يكون أساسًا لقرار حقيقي في التجارة أو الإنفاق أو غيرهما بسبب منام. فعلم الغيب عند الله وحده، وما يراه النائم قد يكون من حديث نفسه وأثر يومه. فالأحسن أن يدعو الحالم ربه بالتوفيق، وأن يحسن الظن به، ويسأله رزقًا حلالًا مباركًا وبركة في معاملاته، ثم يمضي في شأنه مطمئنًا.
