قد يتكرر على بعض الناس حلم السمك مرات متقاربة، في ليال متتالية أو على فترات، فيرون سمكاً في الماء أو في السوق أو في المطبخ أو بين أيديهم. وهذا التكرار يثير في النفس تساؤلاً: هل لهذا الحلم معنى خاص؟ والجواب أن الأحلام لا تُحمل على ظاهرها، وأن التكرار في الغالب علامة على موضوع يشغل الخاطر. وسنتناول هذا الأمر بهدوء، على سبيل الاستئناس والتأمل لا الجزم.
وأصل رمزية السمك عند من تحدثوا في الرؤى أنه يتصل بالرزق الذي يخرج من الماء بسعي وتدبير. فإذا تكرر رؤيته فقد يُقرأ ذلك رمزياً على أن موضوع الرزق والمعاش حاضر في نفس الرائي، يفكر فيه ويخطط له ويقلق منه أو يرجوه. وقد يكون التكرار تذكيراً من النفس بأمر لم تلتفت إليه اليقظة. وهذه قراءة احتمالية لا أكثر، فكثير من الأحلام تتكرر لأسباب بسيطة.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن السمك دال في الجملة على المال والرزق، وأن الرؤيا إذا تكررت تأكدت دلالتها عند بعض المفسرين بحسب ما قيل. وذهب بعض المفسرين إلى أن التكرار قد يدل على ثبات الأمر أو شدة اهتمام الرائي به. وقد اختلفوا في الأخذ بذلك، فمنهم من رأى أن التكرار من حديث النفس. ولذلك نذكر هذه الأقوال للعلم والاستئناس لا للقطع.
وتتغير القراءة بحسب التفاصيل. فإن كان الحلم المتكرر متشابهاً في كل مرة فقد يعبّر عن موضوع محدد يشغل صاحبه، وإن كان يتغير في تفاصيله فقد يعبّر عن حالة عامة من الانشغال. وإن كان المصاحب له شعور بالطمأنينة فهو أقرب إلى الأمل، وإن كان معه قلق فقد يكون الأمر من أثر ضغط أو سهر. وينبغي النظر في الأسباب الواقعية قبل البحث عن الغيبية.
وللرجل الذي يتكرر عليه الحلم قد يتصل بتفكير متواصل في عمله وراتبه ومستقبله. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن انشغالها بشؤون البيت والإنفاق. وللفتاة غير المتزوجة قد يتصل بتفكير متكرر في مستقبلها وعملها. وللحامل قد يكون من أثر انشغال الخاطر بالمولود وما يحتاجه. وللتاجر قد يرتبط بحساباته وبضاعته، وكل هذا من باب التأمل.
ومن الدقائق أن يدوّن الرائي ما يتذكره من الأحلام المتكررة في دفتر صغير: ما رأى، وماذا كان يفكر قبل النوم، وكيف كان شعوره. فكثيراً ما يظهر من هذا التدوين رابط بسيط بين الحلم وأمر واقعي، كخبر سمعه أو وجبة أكلها أو قلق مر به. وهذا الرابط يزيل الغموض ويهدئ النفس أكثر من أي تفسير.
ومن الجانب النفسي، فإن تكرار الحلم بموضوع واحد شائع في فترات الضغط أو التغيير أو عند وجود أمر لم يُحسم، فالعقل يعيد المشهد كأنه يحاول فهمه. وقد يكون السبب كذلك عادة قبل النوم، كمشاهدة مقاطع عن البحر أو الطعام أو متابعة أخبار الأسعار. وتقليل هذه المؤثرات قبل النوم قد يخفف التكرار. وإن طال الأمر وأزعج صاحبه فاستشارة مختص بهدوء لا حرج فيها.
وفي الجانب العملي، يمكن أن يتخذ الإنسان من التكرار فرصة لمراجعة وضعه في معاشه: هل عنده خطة؟ وهل يدخر؟ وهل يحتاج إلى مهارة جديدة؟ فإذا وضع خطة بسيطة واضحة هدأ ذهنه وقلت هذه الأحلام. والأخذ بالأسباب مع التوكل هو أنفع علاج للقلق من الرزق. وما من إنسان إلا ويحتاج إلى مثل هذا التنظيم بين حين وآخر.
ومن الأدب عند تكرار الأحلام أن يكثر الإنسان من الدعاء والذكر قبل النوم، وأن ينام على طهارة وهدوء بال، وألا يحدّث الناس بما يراه إن كان يزعجه. فالنفس التي تطمئن إلى ربها تنام نوماً هادئاً أكثر. وهذه من العادات الطيبة التي يعرفها المسلمون ويستأنسون بها.
ومن اللطيف أن يتذكر الإنسان أن ليس كل حلم متكرر ذا رسالة، وأن بعض الصور تعلق بالذهن وتعود دون سبب ظاهر ثم تزول. فلا ينبغي أن يضيّق على نفسه بالتفتيش، وإنما يعطي الأمر حقه من التأمل ثم يمضي. والحياة أوسع من أن تُختزل في صورة تتكرر في المنام.
ومما يُنصح به لمن يتكرر عليه الحلم أن يتجنب الإجهاد الذهني الشديد في المساء، وأن يجعل لنفسه روتيناً هادئاً قبل النوم، كإطفاء الشاشات وقراءة صفحات نافعة وذكر الله. وأن يعتني بأكله وشربه وحركته في النهار، فالجسد المرتاح أقل عرضة للأحلام المتكررة المقلقة. وهذه نصائح عامة يعرفها الناس بالتجربة، ولا علاقة لها بتفسير بعينه. لكنها تبين أن علاج كثير من الأحلام المتكررة يكون في تنظيم الحياة لا في تحليل الرموز.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في عمل أو مال أو علاقة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلنأخذ بالأسباب ونتوجه إليه بالدعاء ونحسن به الظن. نسأل الله أن يرزقنا طمأنينة القلب وحسن التدبير.
