السمك المملح من الأطعمة التي عرفتها الشعوب منذ قرون، فهو سمك حُفظ بالملح ليبقى مدة طويلة بعيدا عن الفساد. ومن رآه في منامه قد يتساءل عن دلالته، ولهذا الحلم مذاق خاص لأن الملح يضيف إلى السمك معنى الحفظ والتأخير. وكما في كل أبواب التعبير فإن ما يُذكر هنا قراءة رمزية لا تُحمل على ظاهرها، ولا تدل على أمر معين سيقع في الواقع. وإنما نعرض ما قاله بعض المفسرين للتأمل والاعتبار فقط.
السمك رمز للرزق الذي يأتي من الماء، والملح يرمز في الأذهان إلى الحفظ والادخار وإلى الطعم القوي الذي يحتاج معه الإنسان إلى الماء. فكأن الصورة تتحدث عن رزق مدخَّر لا يُستهلك في الحال، أو عن مال حُفظ ليوم الحاجة. ويرى بعضهم أن الملوحة قد توحي بكسب فيه شيء من الشدة أو الجهد، لأن الملح من الأشياء الحادة. وفي المقابل قد يُقرأ التمليح على أنه حسن تدبير وبُعد نظر في حفظ النعمة. وهذه المعاني تتفاوت من مفسر إلى آخر.
نُسب إلى ابن سيرين أن السمك يُحمل على الرزق والمال، ويُفهم من اتجاه التعبير عنده أن حفظ الشيء وصيانته من العناصر التي يلتفت إليها المؤول. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المالح من الأطعمة في المنام قد يُشير إلى كسب فيه تعب أو إلى ما يُدخر للأيام. وهذه الأقوال تُروى على أنها قراءات متباينة لبعض المفسرين، وليست قواعد مقطوعا بها. ولا ينبغي أن يُنسب إليهم قول محدد في السمك المملح تحديدا، فالمروي في ذلك مضطرب. فالأولى أن نأخذ هذه الإشارات للاستئناس دون جزم.
يتغير المعنى بحسب مقدار الملح وطريقة الحفظ وما حول السمك، فإن كان المالح معتدل الطعم محفوظا في إناء نظيف فهو أقرب إلى معاني الادخار الحسن. وإن كان مفرط الملوحة لا يُطاق فقد يُقرأ بما فيه من شدة أو مبالغة في أمر ما. ويختلف الأمر بين من يأكله ومن يكتفي برؤيته معلقا أو مكدسا، فالأول يتناول الرزق والثاني يتأمله. وتبقى مشاعر الرائي حاضرة، فارتياحه للطعم يُفهم غير نفوره منه.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ السمك المملح على أنه صورة لشيء تحتفظ به أو تؤجله، كأمنية ادخرتها أو خطة تنتظر وقتها، ويبقى هذا احتمالا. وللمرأة المتزوجة قد يوحي بتدبير شؤون البيت والادخار والتوفير للأيام القادمة، وهو مما يتفق مع حياتها اليومية. وللحامل قد يكون الحلم أثرا من اشتهاء المالح أو من اهتمامها بتجهيز ما تحتاجه. وللرجل قد يرتبط بمدخرات أو مال مؤجل، وللتاجر ببضاعة مخزنة تنتظر السوق، وكله ظني.
ومن الدقائق أن يتذكر الرائي هل كان السمك المملح معلقا في الهواء أم مكدسا في براميل أم موضوعا في طبق، فالتعليق قد يوحي بالانتظار والتجفيف، والبراميل بالتخزين الكثير، والطبق بالانتفاع القريب. كما يلاحظ بعضهم هل كان معه خبز أو بصل أو غيرهما مما يعتاد الناس أكله معه، فيجعلون ذلك إشارة إلى ما يصاحب الكسب من أمور. ومن اللطائف أن هذا النوع من الطعام يرتبط عند بعض الناس بذكريات الأسواق القديمة أو بيوت الأجداد، فيكون الحلم حنينا لا تفسيرا.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد تعبّر هذه الرؤيا عن ميل الإنسان إلى الحيطة والادخار والتفكير في الغد. وهذا ميل محمود ما دام معتدلا لا يبلغ حد الشح ولا يمنع الإنسان من الإنفاق في وجوهه المشروعة. ويحسن بمن رآه أن يوازن بين ما ينفقه وما يدخره، وأن يتذكر أن الرزق ليس مجرد مال محفوظ بل صحة وعلاقات وراحة بال. وفي كل ذلك يحتاج المرء إلى صبر وحكمة وشكر.
وإن شعر الإنسان بعد الحلم برغبة في ترتيب أوضاعه المالية فهذا أمر حسن، فليفعل ذلك بروية ودون عجلة أو قلق. وإن لم يجد في نفسه ميلا إلى شيء من ذلك فلا يلزمه أي عمل، فالحلم ليس تكليفا. ومن المفيد أن يتجنب الإنسان الأحاديث الكثيرة حول رؤياه، وأن يكتفي بما يُطمئن قلبه. فبهذا يسلم من تأويلات متضاربة قد تثير الحيرة.
ومما يحسن التنبيه إليه أن المقارنة بين الأطعمة المحفوظة والطازجة في المنام قد تعكس عند بعضهم تفكيرا في الموازنة بين الاستمتاع بالحاضر والاستعداد للمستقبل. فمن كان مشغولا بالادخار قد يرى المملح، ومن كان منشغلا بالتجديد قد يرى الطازج، وكل ذلك يعود إلى ما في النفس من اهتمامات. ولذلك فإن أنفع ما يفعله الإنسان أن يتأمل حاله هو، وأن يسأل نفسه عما يشغل باله، لا أن ينتظر من الرؤيا جوابا جاهزا. فالعقل الهادئ والنية الصالحة والمشورة الطيبة أعون على الصواب من أي تأويل منقول.
وفي الختام نؤكد أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون سندا لقرار حقيقي في المال أو العمل أو غيرهما. وما سيأتي به الغد لا يحيط به علما إلا الله، وكل ما قيل رموز نستأنس بها ولا نعتمد عليها. فليقابل الإنسان رؤياه بالدعاء الصادق وحسن الظن بربه، وليسعَ في الحلال، وليتوكل على الله.
