يرى بعض الناس في منامهم أنهم يعرضون السمك للبيع، فيقفون عند طاولة أو يحملونه في سلة وينادون عليه، أو يسلمونه لمشترٍ ويتسلمون ثمنه. وهذا مشهد يختلف عن الشراء، لأن الحالم هنا هو صاحب السلعة وصاحب القرار في عرضها. وغالبًا ما يستيقظ وفي ذهنه سؤال عن معنى التصرف في السمك بهذه الطريقة. وكما في سائر الأحلام، فالتفسير رمزي لا حرفي، وما نذكره هنا قراءات متداولة تُعرض بحذر وهدوء.
والبيع في الأحلام عمومًا يرمز إلى التخلي عن شيء مقابل شيء آخر، أي إلى تحويل ما في اليد إلى ثمن أو منفعة. وحين يكون المبيع سمكًا فإن الصورة تجمع بين رمز الرزق وبين معنى التصرف فيه وتنميته. ولذلك يرى بعض من كتبوا في هذا الباب أن بيع السمك قد يعبّر عن تصرف في مكسب أو عن رغبة في تحويل جهد إلى مال، أو عن تعامل مع الناس في ميدان الكسب. وقد يحمل أيضًا معنى العطاء والمشاركة لمن يقتني ما عندنا.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن السمك يدل على الرزق والمال، وأن البيع معاملة بين الناس في المنافع. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن تفسير البيع يختلف بحسب المبيع ومن يبيعه وكيف يبيعه، وربما دل في بعض الأحوال على ربح وفي أحوال أخرى على تفريط. لكن المفسرين اختلفوا في كل ذلك، ولا توجد قاعدة ثابتة تحكم كل رؤيا، فهي اجتهادات تُقال على سبيل الاحتمال.
ويتغير المعنى بتغير تفاصيل البيع، فإن بيع السمك بثمن جيد وراحة نفس فقد يُقرأ ذلك على أنه معاملة موفقة، وإن بيع بثمن بخس وحسرة فقد يُفهم منه تنبيه إلى حفظ الحق وحسن التقدير. وإن كان السمك طازجًا لامعًا فقد يدل على جودة ما يقدمه الحالم، وإن كان قديمًا فقد يعبّر عن ضرورة الإسراع أو إعادة النظر. وإن كثر الزبائن فقد يعبّر عن حركة وانشغال، وإن قلّوا فقد يعبّر عن هدوء في الأعمال.
وللرجل قد يتصل الحلم بعمله وتجارته أو بعرض ما عنده من مهارة أو خدمة، فهو صورة لحركته في ميدان الكسب. وللتاجر قد يعكس تفكيره في تصريف بضاعته أو في تحديد الأسعار، وهو شأن مألوف في حياته. ومن لا يعمل بالتجارة قد يرى فيه تعبيرًا عن رغبة في بيع شيء يملكه أو في تغيير وضعه المالي. وكل ذلك مجرد قراءات قريبة لا تستند إلى غيب.
وللمرأة قد يُفهم الحلم على أنه يتصل بعملها أو بما تصنعه بيدها وتعرضه، أو بأمر تفكر في التخلي عنه لحاجة أو لتغيير. وللمتزوجة قد يعبر عن تدبيرها لموارد البيت. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر عن رغبتها في بدء عمل صغير أو في جني ثمرة جهدها. وهذه معان نفسية معتادة تتغير بحسب ما تمر به كل حالمة.
ومن الدقائق التي تُنظر فيها طريقة البيع، فالبيع بالميزان الصحيح يدل عند بعضهم على أمانة ونظافة في المعاملة، والنقص في الوزن قد يدل على تنبيه إلى مراقبة النفس. وإن أعطى الحالم زبونًا زيادة فقد يُقرأ ذلك على كرم، وإن رفض البيع لشخص فقد يعبّر عن حدود يضعها. ومشاهدة المال بعد البيع وعدّه قد تدل على حرص على الحساب. وحال المكان من ازدحام وهدوء يضيف إلى الصورة.
ومن الناحية النفسية، قد يعبّر الحلم عن رغبة في تحويل التعب إلى ثمرة ملموسة، أو عن قلق من تصريف ما نملكه في الوقت المناسب. وقد يعبّر عن توق إلى الاستقلال في الكسب وإدارة أمور الإنسان بنفسه. وفيه تذكير بأن العرض الحسن والأمانة والصدق هي أساس أي معاملة ناجحة. وقد يدعو إلى تقييم ما نقدمه للناس من عمل وخدمة.
ومن الناحية العملية، يمكن أن يُستفاد من الحلم بأن نتقن ما نقدمه وأن نلتزم الصدق في وصفه، وأن نضع أسعارًا عادلة، وألا نفرّط في حقوقنا. وفيه معنى الشكر على أن لنا ما نعرضه ونعمل به، وعلى من يتعاملون معنا بحسن نية. ومن الكرم أن نتصدق بشيء مما نكسب وأن نكون رحماء بالمحتاجين. وبهذا يصبح الحلم باب تأمل في أخلاق المعاملة.
ولا يخفى أن للبيع في الواقع آدابًا يعرفها أهل الأسواق، منها ألا يُخفى عيب في السلعة، وألا يُبخس الناس أشياءهم، وأن يُراعى الاتفاق على الثمن بوضوح. وربما كان صدى هذه المعاني حاضرًا في ذهن الحالم حين رأى مشهد البيع، فظهر في صورة سمك يعرضه على الناس. وقد يرى صاحب العمل هذا الحلم في موسم ازدحام أو ركود، فيكون تعبيرًا عن همّ العمل أكثر منه رسالة خاصة. ومن ثمّ فالأنفع أن يتأمل الحالم هل في معاملاته ما يحتاج إلى تحسين، وأن يجعل الحلم تذكيرًا بالصدق والسماحة.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يُتخذ مستندًا لقرار حقيقي في بيع أو شراء أو تجارة بسبب منام. فعلم الغيب عند الله وحده، وما يراه الإنسان في نومه قد يكون من حديث نفسه. فالأجدر أن يدعو الحالم ربه بالخير، وأن يحسن الظن به، ويسأله رزقًا حلالًا مباركًا وأمانة في المعاملة، ثم يمضي في سعيه مطمئنًا.
