يرى بعض الناس في منامهم سمك القرش يسبح في الماء أو يقترب منهم أو يظهر من بعيد، وهي صورة كثيراً ما تتغذى من الأفلام والمشاهد التي يراها الناس عن البحر. وهذا من الأحلام الشائعة في العصر الحديث، ولا ينبغي أن تُقلق صاحبها. فالحلم لا يُحمل على ظاهره، وهو صورة رمزية يمكن أن تُقرأ بهدوء وطمأنينة. وسنتناوله بميزان الاعتدال، مع التذكير بأن القرش لم يكن موضع حديث مفصل في كتب التأويل القديمة.
والأصل في رمزية السمك عند من تحدثوا في الرؤى أنه يتصل بالرزق الذي يأتي من الماء بالسعي والتدبير. وأما سمك القرش، لكونه كبيراً وقوياً ومهيباً، فقد يُقرأ رمزياً بالقياس على أنه رزق كبير أو أمر ذو شأن في حياة الرائي، كمنافسة في السوق أو فرصة كبيرة تحتاج إلى حكمة. وقد يُقرأ كذلك على أنه شعور بحجم أمر ما يشغل الإنسان أكثر من حقيقته. وهذه كلها قراءات احتمالية بالمقارنة، وليس فيها جزم.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن السمك دال في الجملة على المال والرزق، وأن الكبير من الأشياء يدل على الكبير من المعنى. وذهب بعض المفسرين إلى أن الحيوان القوي في الرؤيا قد يرمز إلى صاحب سلطان أو شأن، بحسب ما يظهر منه. غير أن القرش لم يُفرد في كلامهم بتفصيل، فتُقاس الصورة على نظائرها قياساً، وقد اختلفوا في أمثالها. فهذه الأقوال تُذكر للعلم والاستئناس فقط.
وتتغير القراءة بحسب التفاصيل. فإن كان القرش بعيداً هادئاً يسبح دون اكتراث فقد يُقرأ ذلك رمزاً على أمر كبير لا يمس الرائي مباشرة، وإن كان قريباً فقد يُقرأ على أنه فرصة أو تحدٍّ قريب. وإن بقي الرائي هادئاً فالمشهد أخف وأقرب إلى الاطمئنان. وإن كان الماء صافياً فالرؤية واضحة، وإن كان عكراً فقد يعبّر ذلك عن غموض في أمر ما. ويبقى شعور الرائي هو أهم ما يُنظر إليه.
وللرجل الذي يرى هذا الحلم قد يتصل بمنافسة في عمله أو بمشروع أكبر من حجمه المعتاد. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن شعورها بالمسؤوليات الكبيرة في بيتها. وللفتاة غير المتزوجة قد يتصل بتحدٍّ دراسي أو مهني تراه كبيراً. وللتاجر قد يشير إلى شركات كبيرة أو منافسين أقوياء في مجاله، فيُقرأ ذلك على أنه دعوة إلى الاستعداد لا إلى الخوف. وكل هذا من باب التأمل.
ومن الدقائق أن يُلاحظ هل كان الرائي في مركب أم على الشاطئ أم تحت الماء، فالموضع يؤثر في الشعور بالأمان. وكذلك هل كان القرش وحيداً أم في جماعة، وهل كان ساكناً أم متحركاً. وليس لهذه التفاصيل قواعد ثابتة، لكنها تساعد الرائي على فهم ما في نفسه. وإن لم يتذكر شيئاً من التفاصيل فيكفي أن يأخذ الصورة العامة بلا تكلف.
ومن الجانب النفسي، فإن القرش صار في الثقافة الحديثة رمزاً للقوة والتحدي والمنافسة، ولذلك فكثيراً ما يظهر في أحلام من يمرون بمرحلة منافسة في الدراسة أو العمل. وقد يكون الحلم مجرد أثر لفيلم أو وثائقي أو لعبة. والعقل يستعير هذه الصور ليعبّر عن مشاعر مثل الهيبة والتحدي. فلا ينبغي أن يُنظر إلى الحلم على أنه خطر حقيقي.
وفي الجانب العملي، يمكن أن يستفيد الإنسان من الحلم بالاستعداد لما أمامه من مهام كبيرة بتقسيمها إلى خطوات صغيرة، وبطلب العلم والمشورة، وبتقوية مهاراته. فالأمر الكبير يصغر بالتخطيط، والمنافسة الشريفة تدفع إلى التحسن. والصبر على التعلم والعمل المنتظم من أسباب التوفيق. ويبقى الرزق بيد الله، يعطي منه من يشاء بحكمته.
ومن حسن الأدب ألا يُذكر هذا الحلم على أنه نذير لأحد، وألا يُخوَّف به من يسمعه. فالكلام عن الأحلام مسؤولية، وخير ما يقال فيها قول متواضع يعترف بالقصور عن معرفة الغيب. وليكن حظ الإنسان من الحلم تأملاً هادئاً ثم عودة إلى حياته الطبيعية. فالنفس المطمئنة لا تضيق بصورة عابرة.
ومن الجميل في هذا الحلم أن يتذكر الرائي أن الكبر في الحجم ليس دليلاً على الشدة دائماً، وأن كثيراً من المخلوقات الكبيرة تعيش بسلام في أماكنها. وكذلك الأمور الكبيرة في حياتنا تبدو مهيبة عن بعد، فإذا اقتربنا منها بالتخطيط والتعلم وجدناها أهون مما ظننا. وهذا المعنى النفسي مفيد لمن يخشى مشروعاً أو امتحاناً أو قراراً، ولا علاقة له بغيب أو توقع. وهو يشجع على الإقدام الهادئ بدل الانكماش.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في عمل أو مال أو سفر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلنلجأ إلى الدعاء ونحسن الظن بالله ونأخذ بالأسباب. نسأل الله أن يرزقنا الطمأنينة والتوفيق في كل ما نسعى إليه.
