يحدث أن يرى المريض في منامه سمكاً يسبح أو يُقدَّم إليه أو يقع بين يديه، وهذا من الأحلام التي تتكرر عند من أثقلهم التعب وطال عليهم الفراش. وحين يستيقظ يبقى في نفسه سؤال: هل لهذه الرؤيا صلة بمرضه أو بشفائه؟ والجواب أن تفسير الأحلام تأويل رمزي لا يُحمل على ظاهره، وأن النفس المتعبة تصنع صوراً كثيرة من أفكارها ومخاوفها وآمالها. فلنقرأ هذه الرؤيا بهدوء وبعين الرجاء، دون أن نجعلها حكماً على صحة أحد أو مرضه.
الأصل في رمزية السمك عند من تكلموا في الرؤى أنه يتصل بالرزق الذي يأتي من الماء، فالبحر والنهر في المنام كثيراً ما يُقرآن على أنهما مصدر عطاء واسع. والسمك قد يرمز إلى ما يُنال بعد سعي وصبر، وقد يرمز إلى خير خفي ينزلق من اليد ثم يعود. وقد يشير أيضاً إلى الصحة والعافية بالمعنى الواسع، إذ الرزق في الحياة لا يقتصر على المال، بل يشمل الراحة وسلامة البدن وهدوء النفس. وهذه كلها قراءات رمزية تتبدل بتبدل التفاصيل.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن السمك في الجملة يدل على رزق ومال يأتي من وجه غير متوقع، وأن حاله من الحياة والطراوة يختلف عن حاله من الفساد. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن صيد السمك يدل على نيل مطلوب بعد مشقة. وقد اختلف المفسرون في هذه الدلالات اختلافاً كبيراً، ولا ينبغي اعتبارها قواعد ثابتة، بل هي قراءات اجتهد فيها أهلها بحسب ما رأوا.
فإذا كان السمك حياً ونشيطاً في ماء صافٍ فقد يُقرأ ذلك على أنه صورة من صور الأمل والعافية وتجدد الطاقة، وإن كان السمك كبيراً فقد يكون المعنى أوسع وأوفر. أما إذا كان السمك قليلاً أو ساكناً فلا يعني ذلك شراً، وإنما قد يشير إلى حاجة النفس إلى الصبر والتدرج. وصفاء الماء وسعته وهدوؤه من الأمور التي يستأنس بها المفسرون، لأنها توحي بالسكينة والاتساع في الحال.
وللمريض الذي يرى هذه الرؤيا مقام خاص، فهو أحوج الناس إلى كلمة لطيفة تخفف عنه. ويُقال في قراءة رمزية رفيقة إنها قد تعبّر عن رغبة داخلية في الشفاء والعودة إلى النشاط والرزق والعمل. وقد تكون كذلك انعكاساً لشعوره بالحاجة إلى الغذاء الطيب والراحة. ولا يصح أن يتحول هذا التأويل إلى وعد بشفاء أو وعيد بغيره، فالأمر كله بيد الله وحده.
وإن رأى المريض أنه يأكل السمك بشهية فقد تُفسَّر الصورة بأنها إشارة إلى استعادة الرغبة في الحياة وحسن التقبل لما يُعطى له. وإن رأى أنه يصطاده من الماء فقد يُقرأ ذلك على أنه صبر وسعي نحو العافية، وأن الجهد المبذول في العلاج والتحمل لا يضيع. وإن رأى السمك يسبح حوله فهذا قد يرمز إلى إحساسه بالأنس والسلوى من أهله وأحبابه. وهذه كلها معانٍ رمزية تُقال على سبيل التفاؤل لا على سبيل اليقين.
ومن الدقائق التي تحسّن التأويل ملاحظة لون السمك وحجمه وما يحيط به. فاللون الفضي اللامع يُستأنس به أكثر من اللون الباهت، والمشهد الهادئ يوحي بالسكينة أكثر من المشهد المضطرب. كما أن شعور الرائي في أثناء الرؤيا ذو قيمة، فإن كان مرتاحاً مطمئناً فالصورة أقرب إلى الرجاء، وإن كان قلقاً فقد تكون من حديث النفس المنهكة بالمرض. ولا بأس بأن يترك الإنسان ما لا يستطيع تحديده دون تكلف.
ومن الناحية النفسية، فإن المريض كثيراً ما يحلم بما يفتقده في يقظته: الطعام الذي مُنع منه، والخروج إلى الهواء الطلق، والحركة التي أقعده عنها الألم. والسمك والماء من الصور المحببة التي تحمل معنى الانسياب والخفة والحرية، ولذلك فقد يكون الحلم مجرد شوق إلى هذه المعاني. فالأولى أن يأخذ الرائي منه ابتسامة وأملاً، وأن يستمر في الأخذ بأسباب العلاج وطاعة الأطباء والصبر.
وفي هذا المقام يحسن بأهل المريض أن يحيطوه بالدعاء واللطف، وألا يجعلوا من حلمه موضوع جدل أو توقع. فالصبر على المرض والرضا بما قسم الله من أعظم ما يعين النفس على الاحتمال. والتفاؤل الحسن بالله لا يكلف شيئاً، وهو يخفف من ثقل الأيام. وكل ما يرد من صور في المنام يمكن أن يكون بابًا إلى الدعاء والتفكر وشكر النعم الباقية.
وفي الختام، فإن هذا التأويل كله اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار في علاج أو حياة أو مال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما على المريض إلا أن يأخذ بالأسباب المشروعة ويتوجه إلى ربه بالدعاء ويحسن الظن به. نسأل الله له الشفاء العاجل والعافية الدائمة، وأن يجعل ما يراه من خير في طمأنينة القلب وسكينة النفس.
