قد يرى الإنسان في منامه سمكة واحدة فقط، لا تحيط بها أسماك أخرى، فتبقى الصورة بسيطة مركّزة تستقر في الذاكرة. وهذه الوحدة هي ما يميز الرؤيا، إذ تختلف عن مشاهد الأسماك الكثيرة التي توحي بالوفرة والتعدد. ومن المفيد أن نؤكد من البداية أن ما سيُذكر قراءة رمزية لا تدل على أمر بعينه في الواقع، ولا يُبنى عليها يقين. وإنما نتأمل ما تأمله بعض أهل التعبير في معنى الفرد الواحد في مثل هذه الصور.
يرمز السمك في العرف التعبيري إلى الرزق الذي يخرج من الماء، والعدد واحد يوحي بالتحديد والتخصيص. فقد تُقرأ السمكة الواحدة على أنها رزق بعينه أو فرصة واحدة أو شخص أو أمر مخصوص يشغل بال الرائي. ويرى بعضهم أن الواحد يوحي بالتركيز، أي بأن الإنسان مدعو إلى أن يحسن استثمار ما بين يديه بدل التطلع إلى المزيد. وقد يُقرأ كذلك على أنه شعور بالقلة أو بالوحدة، بحسب مشاعر الرائي في المنام. وهذه معان محتملة لا يُجزم بها.
نُسب إلى ابن سيرين أن السمك يُحمل على الرزق والمال، ويُفهم من منهجه أن العدد يُلتفت إليه في بعض المواضع عند تحديد مقدار الأمر المرموز إليه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن القلة والكثرة في المرئيات قد تُقابَل بقلة الأمر أو كثرته، وإن اختلفت العبارات والاعتبارات. وهذه الأقوال تُنقل على أنها آراء لبعض المفسرين، وقد تباينت فيها اجتهاداتهم. ولا ينبغي أن يُنسب إليهم نص صريح في السمكة الواحدة، فالمنقول في ذلك قليل ومتفاوت. فهي إشارات للاستئناس لا حجة.
يتغير المعنى بحسب حال السمكة، فإن كانت كبيرة جميلة حية في ماء صافٍ فهي أقرب إلى معاني الخير المركّز، وإن كانت صغيرة ضعيفة فقد يُقرأ ذلك على أمر محدود يحتاج إلى رعاية. وتختلف الدلالة كذلك بين سمكة يمسكها الرائي وأخرى تفلت منه، وبين سمكة تسبح قريبا منه وأخرى تبتعد. ويؤثر شعور الرائي، فالفرح بالسمكة الوحيدة يُفهم على غير ما يُفهم الأسى على وحدتها. فالمفسرون يلتفتون إلى هذه المشاعر ويعدونها من قرائن المعنى.
وللفتاة غير المتزوجة قد تُقرأ السمكة الواحدة على أنها صورة لفرصة بعينها أو لشخص يشغل بالها أو لهدف محدد تسعى إليه، ويبقى ذلك احتمالا. وللمرأة المتزوجة قد توحي بأمر واحد يأخذ مساحة من تفكيرها في بيتها أو أسرتها. وللحامل قد تعكس تركيز أفكارها على مولودها الذي تنتظره، فيكون الحلم أقرب إلى الصدى النفسي. وللرجل قد تدل على مشروع واحد أو مصدر دخل واحد، وللتاجر على صفقة محددة، وكله اجتهاد ظني.
ومن التفاصيل الدقيقة أن يتذكر الرائي في أي مكان كانت السمكة، أفي كف يده أم في إناء أم في ماء واسع، فالكف توحي بقربها والماء الواسع بحرية حركتها. كما يلاحظ بعضهم هل كانت وحدها بين الأمواج أم مع أخرى بعيدة، فالمعية البعيدة توحي بأن الأمر ليس منفصلا تماما عن سياق أوسع. وكذلك لونها وحركتها ونظرتها كلها تضيف إلى الصورة ظلالا. وهذه التفاصيل لا تعدو أن تكون خواطر للتأمل.
ومن الناحية النفسية والعملية، قد تعبر هذه الرؤيا عن حاجة الإنسان إلى التركيز على أمر واحد مهم بدل تشتيت جهده. وهي دعوة لطيفة إلى ترتيب الأولويات وإحسان العمل الواحد قبل الانتقال إلى غيره. ومن جهة أخرى فهي تذكّر بقيمة ما بين اليدين وإن كان واحدا، فكثيرا ما يكون الشيء الواحد المتقن أنفع من كثير مبعثر. ويحسن بالإنسان أن يشكر ما عنده وأن يسعى في الحلال دون استعجال.
وقد تكون السمكة الواحدة في الحلم انعكاسا لشعور بالانفراد أو بالحاجة إلى رفقة، وهذا من المعاني النفسية التي لا تُنكر. فمن شعر بذلك فخير ما يفعله أن يصل أرحامه وأصدقاءه، وأن يشارك الناس مسراتهم. فالإنسان يزداد طمأنينة بمن حوله، ولا يليق أن يُترك للأوهام وحدها. وهذا أنفع له من كل تأويل يُقرأ في الكتب.
وإذا أحب الرائي أن يتفاءل بالسمكة الواحدة فلا بأس، ما دام تفاؤله لا يجرّه إلى ترك العمل أو إلى الاستعجال. وإذا قلق من وحدتها فليهدئ نفسه ولا يعطي الأمر أكبر من حجمه. فالأحلام تتأثر كثيرا بالحالة المزاجية، ويُنصح بالاستغفار والدعاء وصرف الخاطر إلى ما ينفع. وبذلك يحفظ المرء قلبه من التعلق بالظنون.
وفي الختام نؤكد أن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساسا لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الزواج أو غيرها. وأمر الغيب لا يحيط به إلا الله، وكل ما سبق رموز نتدبرها ولا نعتمد عليها. فليتجه المرء بقلبه إلى ربه بالدعاء وحسن الظن، وليأخذ بالأسباب المشروعة، وليتوكل عليه.
