قد يرى الإنسان في منامه سمكا فاسدا منتن الرائحة متغير اللون، فيستيقظ منزعجا ويظن أن في الأمر نذيرا. ومن اللطف أن نبدأ بالتهدئة، فهذه الرؤيا من الصور التي تنفر منها النفس بطبعها، وليس لكل صورة منفرة معنى سيئ في الواقع. ثم إن الحلم ليس تحذيرا من سلامة الطعام، فلا يُؤخذ منه حكم على غذاء حقيقي، ومن شك في طعام في بيته فمرجعه الحس والتجربة لا المنام. وما نذكره هنا قراءة رمزية يتأمل فيها بعض أهل التعبير، دون جزم.
في رمز السمك أن الرزق يأتي من الماء، فإذا ظهر السمك فاسدا فقد يُقرأ ذلك على سبيل التأمل بأنه صورة لكسب فيه كدر أو لفرصة ضاعت بالتأخر. ويرى بعضهم أن الفساد هنا قد يرمز إلى أمر طال تركه بلا عناية حتى تغيّر حاله. وقد يُقرأ كذلك على أنه تنبيه رمزي إلى مراجعة الأمور التي أُهملت في العمل أو المال أو العلاقات. غير أن هذا كله لا يعني أن شيئا سيئا سيقع حتما، فهي رموز تُقرأ بقدر من التفاؤل والحذر معا.
نُسب إلى ابن سيرين أن السمك يُحمل على الرزق والمال، وأن رداءة الشيء المرئي وفساده يُنظر فيهما على أنهما أقرب إلى الكدر من الصفاء. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن فساد ما يؤكل في المنام قد يُشير إلى مال فيه شبهة أو كدر عند بعض المفسرين. وهذه الأقوال إنما تُروى على أنها اجتهادات، وقد اختلف أصحابها ولم يتفقوا على صيغة واحدة. ولا يصح أن نجعلها قاعدة مطردة، ولا أن نتهم بها أحدا أو نقلق منها قلقا زائدا. فهي في أحسن الأحوال إشارات للتأمل لا أكثر.
يتغير معنى الرؤيا بحسب درجة الفساد وموقف الرائي منه، فإن رأى السمك الفاسد ثم أبعده أو رماه فقد يُقرأ ذلك بأنه تخلص من أمر مكدّر أو انصراف عنه، وهو معنى مطمئن. وإن أكل منه وهو كاره فقد يلتفت بعضهم إلى كسب فيه ضيق، ويبقى ذلك ظنا لا يقينا. ويختلف الأمر كذلك بين رائحة خفيفة وفساد كامل، وبين أن يكون السمك له أو لغيره. ويظل شعور الرائي هو الأهم، فالاشمئزاز الشديد يُفهم على أنه ميل فطري إلى الابتعاد عن المكدرات.
وللفتاة غير المتزوجة قد يُقرأ السمك الفاسد على أنه صورة لأمر لم يعد يناسبها، كفرصة أو علاقة أو خطة تحتاج إلى إعادة نظر، ولا يُجزم بشيء. وللمرأة المتزوجة قد يشير بعضهم إلى مسألة في البيت أُهملت وتحتاج إلى عناية، أو إلى ضيق عابر يزول بالحوار. وللحامل قد يكون الحلم أثرا من تحسس الحمل للروائح، وهو أمر شائع معروف، فلا يُحمَّل معنى رمزيا. وللرجل قد يدعو إلى مراجعة مصادر كسبه، وللتاجر إلى حفظ بضاعته وأمانته، وكلها اجتهادات ظنية.
ومن الدقائق أن ينتبه الرائي إلى هل كان الفساد جزئيا يمكن تدارك باقيه أم كليا، وهل كانت معه أسماك سليمة. فوجود سليم بجانب الفاسد قد يُقرأ على أن في الأمر خيرا يمكن حفظه إذا أُحسن التعامل. وكذلك يتأمل بعضهم موضع الفساد، ومن كان بجانبه، وهل كان الرائي مسؤولا عن حفظه. وهذه كلها تفاصيل لا تخرج عن كونها خواطر رمزية، فلا ينبغي أن ينشغل بها الإنسان انشغالا يؤذيه.
ومن الجانب النفسي والعملي، قد يعبر هذا الحلم عن قلق خفي من ضياع جهد أو فوات فرصة، وهو قلق إنساني طبيعي. والتعامل الأمثل معه أن يراجع الإنسان ما بين يديه من أعمال ومدخرات، وأن يعالج ما يحتاج إلى علاج قبل أن يتفاقم. وفي هذا درس لطيف في حفظ النعم وعدم إهمالها، وفي الصدق مع النفس في تقدير الأمور. ويبقى حسن الظن بالله خير زاد لمن أحس بالقلق دون سبب ظاهر.
ولا ينبغي أن يُحدِّث الرائي بهذه الرؤيا مرارا أو أن يسأل عنها كل أحد، فربما زاده الكلام قلقا بلا مسوغ. ويكفيه أن يصرف ذهنه عنها، وأن يستعيذ بالله من الوساوس ويسأله الخير. فالأحلام المنفرة كثيرا ما تأتي من التعب أو الإجهاد أو الأكل المتأخر، وليس لها أثر في الواقع. ومن أخذ منها عبرة نافعة في ترتيب أموره فقد استفاد، ومن لم يأخذ فلا شيء عليه.
وتجدر الإشارة إلى أن الإنسان قد يرى الفساد في المنام ثم يجد نفسه في اليقظة أقرب إلى الراحة، لأن النفس أحيانا تُفرغ ما يثقلها في صورة منفرة ثم تهدأ. فليس كل ما ينفّر في النوم نذيرا لما بعده، وكثيرا ما يكون تنفيسا عن ضغط أو إرهاق أو كثرة أفكار. وقد ينفع في هذه الحال أن يخفف الإنسان من أحماله، وأن ينام مبكرا ويبتعد عن الطعام الثقيل قبل النوم. وبذلك يخف ورود مثل هذه الصور، ويرتاح باله من تتبع معانيها المتكلفة. وفي هذا كله ما يغني عن الغوص في التأويلات الكثيرة.
وفي الختام نقول إن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ، ولا يصلح أن يكون أساسا لقرار حقيقي في المال أو العمل أو الزواج أو غيرها. وما غاب عنا من أمور الغد علمه عند الله وحده، وما يُذكر في هذا الباب رموز نتأملها ولا نعتمد عليها. فمن رأى ما يكره فليدع الله بالخير، وليحسن الظن به، وليأخذ بالأسباب، وليمضِ في حياته مطمئنا.
