يرى بعض الناس في منامهم سمكة تتلألأ ثم تصير ذهباً خالصاً، أو يمسكون سمكة فإذا هي سبيكة لامعة بين أيديهم، وهذه من الصور التي تُفرح النفس وتثير الخيال. وبحكم أن الذهب مرتبط في أذهان الناس بالمال والقيمة، فإن الحلم يبدو لأول وهلة بشارة بالثراء. لكن الأحلام لا تُحمل على ظاهرها، وهي في هذه الصورة رمز يُقرأ بتفاؤل وتواضع. ولنعرض ما قيل في أمثالها دون وعد ولا جزم.
وفي رمزية السمك أنه يرتبط بالرزق المأخوذ من الماء بالسعي والتدبير، وأما الذهب فيدل في عرف المفسرين على المال والقيمة، وقد يدل أحياناً على ما يُحرص عليه ويُخشى فقده. فإذا اجتمعا فقد يُقرأ ذلك رمزياً على أن لجهد الإنسان قيمة تظهر مع الوقت، أو أن رزقاً بسيطاً قد يصير ذا شأن بحسن التدبير. وهذه قراءة احتمالية، ولا تعني أن مالاً سيأتي أو أن غنى سيحل.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن السمك يدل في الجملة على المال والرزق، وأن الذهب قد يختلف تأويله بحسب حاله ومقداره وحال صاحبه. وذهب بعض المفسرين إلى أن الشيء إذا تحول إلى معدن ثمين فقد يشير إلى ثبات في الحال أو تحول في القيمة. ولكنهم اختلفوا اختلافاً واسعاً في دلالة الذهب نفسه، فمنهم من قرأه بالتفاؤل ومنهم من قرأه بالتحفظ. فنحن نذكر ما ذُكر للاستئناس لا للقطع.
وتختلف القراءة باختلاف التفاصيل. فإن كان الذهب مشرقاً نقياً والتحول سلساً فقد يُقرأ ذلك على أنه صورة من الأمل وتقدير الجهد، وإن كان الذهب باهتاً أو ثقيلاً فقد يعبّر عن حمل مسؤولية أو انشغال بالمال. وإن بقي بين يدي الرائي فقد يُقرأ على أنه تمسك بما بين يديه، وإن ضاع منه فقد يُقرأ على أنه تذكير بأن المال يأتي ويذهب. ويُنظر كذلك إلى فرح الرائي أو قلقه.
وللرجل الذي يرى هذا الحلم قد يتصل بتفكيره في مشروع أو ترقية أو ادخار. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن أمنيتها بسعة في عيش أسرتها واستقرارها. وللفتاة غير المتزوجة قد يتصل بتطلعاتها في عمل أو دراسة. وللتاجر قد يعبّر عن تفكير في الربح والتجارة، ولا ينبغي أن يُجعل أساساً لتوسعة أو مجازفة. فكل هذه من الاحتمالات التي لا يقين فيها.
ومن الدقائق أن يُلاحظ هل تحول السمك كله أم بعضه، وهل بقي حياً أم صار جامداً. فإن تحول بعضه فقد يُقرأ ذلك على أن بعض الخير يظهر ويبقى بعضه ينتظر، وإن صار كله جامداً فقد يعبّر عن ثبات واستقرار. وإن تحول الذهب إلى سمك مرة أخرى فقد يُقرأ على أن المال لا يدوم على حال. وهذا كله احتمال لا يعدو أن يكون تأملاً.
ومن الجانب النفسي، فإن حلم الذهب كثيراً ما يرتبط بالطموح والرغبة في الأمان المادي، وهو شائع عند من يعملون بجهد ويأملون في ثمرة. وقد يكون سببه حديثاً عن الأسعار أو الذهب قبل النوم، أو مشاهدة مجوهرات أو إعلان. فالعقل يجمع ما يشغله من اهتمامات فيخرجها في صور رمزية. ولا بأس أن يفرح الإنسان بالصورة الجميلة دون أن يجعلها حقيقة.
وفي الجانب العملي، يمكن أن يتخذ الإنسان من هذا الحلم دافعاً إلى حسن التخطيط المالي: ادخار منتظم، وإنفاق معتدل، وتجنب الديون غير الضرورية، وتعلم مهارة تزيد دخله. فالقيمة الحقيقية تُصنع بالصبر والمثابرة، كما يُصقل المعدن حتى يلمع. وفي المقابل ينبغي ألا يستعجل الغنى ولا يتعلق بالسراب، فالقناعة طمأنينة في القلب مع سعي في اليد.
ومن اللطيف أن يتذكر الرائي أن أغلى ما في المال بركته، وأن كثيراً من الناس يملكون القليل ويعيشون براحة وسكينة. فليكن شكره لله على ما بين يديه أعظم من انتظاره لما لم يأتِ. وليكن حظه من الأحلام التفاؤل الهادئ لا الأوهام الكبيرة. وبذلك يسلم قلبه من التعلق ويطمئن.
ومن الأمور التي قد تعين على الفهم أن يتأمل الرائي ما يملكه فعلاً من ثروة غير مادية: صحة جيدة، وأهل يحبونه، وعلم ينفع، وأصدقاء صادقين. فكثير من الناس يطلبون الذهب وفي أيديهم ما يزيد قيمة عنه ولا يلتفتون إليه. والحلم بالذهب قد يكون مناسبة لتذكر هذه النعم وعدّها، فإن عدّ النعم يزيد الإنسان رضا ويقلل شعوره بالنقص. وهذا الأثر النفسي الطيب هو أحسن ما يمكن أن يُجنى من مثل هذه الأحلام.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار في استثمار أو اقتراض أو شراء أو بيع. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلنأخذ بالأسباب ونتوجه إليه بالدعاء ونحسن به الظن. نسأل الله أن يرزقنا رزقاً حلالاً مباركاً وقناعة في القلب.
