قد يرى النائم سمكة تتبدل أمام عينيه فتصير إنساناً، أو يرى إنساناً يتشكل من الماء والسمك، وهذا من الأحلام الخيالية التي تُدهش صاحبها حين يستيقظ. وكثير من هذه التحولات تأتي من اختلاط صور القصص والأفلام بما يشغل النفس، فلا ينبغي أن تُحمل على ظاهرها. وهي تُقرأ، إن قُرئت، رمزاً واحتمالاً، وبقدر كبير من التواضع. ولنعرض ما ذُكر في أمثالها بهدوء ودون جزم.
وأصل رمزية السمك عند من تكلموا في الرؤى أنه يتصل بالرزق الخارج من الماء، وبالخير الذي يتأتى بعد صبر وجهد. أما الإنسان في المنام فيُنظر فيه إلى هيئته وحاله وصلته بالرائي، فقد يرمز إلى صاحب أو قريب أو غريب. ومن ثم فإن تحول السمك إلى إنسان قد يُقرأ رمزياً على أن الرزق أو الخير سيرتبط بشخص ما، كعمل مع إنسان أو عون من آخر أو علاقة تكون سبباً في خير. وهذه قراءة بالقياس لا أكثر.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن السمك يدل في الجملة على المال والرزق، وأن الإنسان في الرؤيا قد يدل على صاحب أو شريك أو من له صلة بالرائي بحسب هيئته. وذهب بعض المفسرين إلى أن الشيء إذا تحول إلى شيء آخر في المنام فإن دلالته تنتقل بحسب الصورة الأخيرة وما يؤول إليه. ولكنهم اختلفوا في تفصيل ذلك اختلافاً كبيراً، ولا نجد في كتبهم قاعدة يُعتمد عليها في مثل هذه الصورة العجيبة. ولذلك فهي تُذكر للاستئناس فقط.
وتختلف القراءة بحسب هيئة الإنسان الذي ظهر. فإن كان وجهاً باشاً مألوفاً فقد يُقرأ ذلك رمزاً لعلاقة طيبة تحمل خيراً، وإن كان غريباً مبهماً فقد يعبّر عن فرصة مجهولة لم تتضح معالمها بعد. وإن كان التحول سلساً هادئاً فهو أقرب إلى الاطمئنان، وإن كان مفاجئاً مربكاً فقد يكون من أثر توتر وانشغال. ويُلتفت كذلك إلى مشاعر الرائي: ألفة ودهشة سارة، أم حيرة وانزعاج؟
وللرجل الذي يرى هذا الحلم قد يتصل بتفكيره في شريك أو زميل عمل أو علاقة جديدة قد تغير مجرى رزقه. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن تفكيرها في أحد من أهلها أو معارفها وما له من أثر في بيتها. وللفتاة غير المتزوجة قد يتصل بما في خيالها من علاقات وأمنيات مستقبلية. وللتاجر قد يشير إلى التفكير في تعامل مع شخص بعينه. وهذه كلها احتمالات تُعرض بلا تأكيد.
ومن الدقائق التي تُلاحظ أن يكون التحول من سمك إلى إنسان أم من إنسان إلى سمك، فالاتجاه قد يغير زاوية القراءة. فإن كان من سمك إلى إنسان فقد يُقرأ ذلك على أن الرزق صار ذا وجه إنساني، أي صار مرتبطاً بتعامل مع الناس بدل أن يكون مجرد ربح مجرد. وإن كان من إنسان إلى سمك فقد يُقرأ على أن شخصاً ما يصير سبب رزق أو أثره. وكل ذلك شديد الاحتمال ولا يُبنى عليه شيء.
ومن الجانب النفسي، فإن الأحلام التي تتحول فيها الكائنات من شكل إلى شكل هي من أكثر الأحلام تأثراً بالخيال الحر، وهي كثيرة عند من يقرؤون القصص أو يشاهدون الأفلام أو يتأملون كثيراً. وقد تعبّر عن مرحلة انتقال في حياة الرائي، كتغيير عمل أو مسكن أو علاقة، فتأتي الصورة المتحولة تعبيراً عن شعور التغيير. وهذا تفسير نفسي عام يصلح لكثير من الأحلام، وليس قطعياً.
وفي الجانب العملي، فإن في هذه الصورة تذكيراً لطيفاً بأن الأرزاق في حقيقتها تأتي في الغالب عن طريق الناس: عمل مع آخرين، وتجارة مع آخرين، وعون من آخرين. ومن أحسن إلى الناس بصدق ووفاء وطيب معاملة فتحت له الأبواب أكثر. فحسن الخلق من أعظم أسباب البركة والقبول بين الناس. وبهذا ينتفع الرائي بالصورة دون تعلق بدلالة غيبية.
ومن الحسن أن يتنبه الرائي كذلك إلى أنه لا يصح أن يُسيء الظن بأحد لأجل حلم، ولا أن يُبرّئ أحداً أو يتهمه بسببه. فالحكم على الناس يكون بأفعالهم الظاهرة وبالنظر في سلوكهم، لا بصور المنام. ولو رأى في منامه شخصاً معروفاً لم يجعل ذلك سبباً لقطيعة أو تعلق. وهذا من الأدب مع الأحلام ومع الناس معاً.
ويمكن أن يتخذ الإنسان من هذه الأحلام العجيبة سبيلاً إلى التفكر في سعة خلق الله وتنوع صوره، فيزداد تواضعاً وشكراً. فالعقل البشري محدود، وما يراه في المنام قد يكون خيالاً لا حقيقة له. والعاقل من يحسن الإفادة من كل شيء بلا مبالغة، ويحفظ قلبه من التعلق بالتوهمات.
وفي الختام، فإن هذا التأويل اجتهاد بشري ظني قد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في علاقة أو شراكة أو مال. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فالأولى أن نلجأ إلى الدعاء ونحسن الظن بالله ونأخذ بالأسباب المشروعة. نسأل الله أن يرزقنا صحبة طيبة ورزقاً مباركاً.
