قد يرى الإنسان في منامه شخصًا عزيزًا انتقل إلى رحمة الله، وهو معه والسمك بينهما، فيأكلان منه أو يتبادلانه أو يجلسان قرب ماء ويتحدثان. وهذا من الأحلام التي تترك أثرًا عاطفيًا عميقًا، فيستيقظ الحالم وقد امتلأ قلبه بالشوق والدهشة والرغبة في معرفة معنى ما رأى. ونبدأ بالتذكير بأن الأحلام رموز لا تُقرأ حرفيًا، وأن ما نذكره قراءات متداولة تُعرض برفق وتحفظ، ولا نجزم فيها بشيء عن أحوال أحد. فليكن الحالم هادئًا، فهذا في الغالب من أثر الاشتياق والذكريات.
وإنما يلتقي الإنسان بأحبته الراحلين في أحلامه لأن القلب لا ينسى من أحب، فيستدعي العقل صورهم ومواقفهم وأصواتهم في ساعات النوم. وحين يظهر السمك في هذه الصورة فقد يكون مرتبطًا بذكرى مشتركة، كرحلة صيد أو مائدة أو بيت قرب الماء، أو قد يكون مجرد رمز للرزق ظهر في سياق الحنين. ولذلك يرى بعض من كتبوا في هذا الباب أن حضور الراحلين في الأحلام يُقرأ في الغالب على أنه حديث نفس وذكريات وليس خبرًا. ومن الخطأ أن نُحمّل هذه الصور أحكامًا عن حال المتوفين.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن السمك يدل على الرزق والمال، ونُقلت عن بعض المفسرين أقوال متفرقة في رؤية الأموات وما يأخذه الحالم منهم أو يعطيه، لكنها أقوال مختلف فيها بينهم ولا يُبنى عليها حكم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن تفاصيل هذه الرؤى تُقرأ بحسب القرائن وحال الرائي، وأن الأولى فيها التأني. ومن ثمّ لا يصح أن يُستنبط من الحلم شيء عن مصير المتوفى ولا عن حاله، فذلك أمر لا يعلمه إلا الله، وإنما هذه اجتهادات تُقدَّم على سبيل الاستئناس فقط.
ويتغير معنى الحلم بحسب ما يجري فيه، فإن كان اللقاء هادئًا ودودًا فقد يُقرأ ذلك على أنه صدى لشوق صادق وارتياح نفسي، وإن كان فيه حزن فقد يعبر عن ألم الفقد الذي لم يهدأ بعد. وإن كان الراحل يقدّم السمك للحالم فقد يُفهم منه استحضار لعطائه في حياته، وإن كان الحالم هو الذي يقدّمه فقد يعبر عن رغبته في أن يصل خيره إلى من يحب. وإن اكتفى الراحل بالنظر بصمت فقد يعبر عن حاجة إلى الإحساس بحضوره. وشعور الحالم بعد الاستيقاظ هو أصدق قرينة على ما في قلبه.
وللرجل قد يتصل المشهد بشوقه إلى أب أو أخ أو صديق مضى، ورغبته في أن يستشير من فقد أو أن يحتمي بذكراه، وقد يعبر عن مسؤولية ورثها عنه. وللتاجر قد يعبر عن تذكره لمن علّمه صنعته أو رافقه في عمله. وهذه كلها صور نفسية قريبة من الواقع، وليس فيها وصية ولا توجيه. والأولى أن يتعامل الحالم معها بالدعاء لا بالتأويل.
وللمرأة قد يُفهم الحلم على أنه تعبير عن شوقها إلى أم أو أب أو زوج أو ابن غاب عنها، وعن حاجتها إلى أن تشعر بدفء ما كانت تجده في حضرته. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر عن حنين إلى سند فقدته. وللمتزوجة قد يعبر عن تذكرها لأهلها ومائدتهم. وهي معان وجدانية يُرفق بها ولا يُبالغ في تحليلها.
ومن الدقائق التي تُلتفت إليها المكان الذي جرى فيه المشهد وهيئة الراحل، فالمكان المألوف قد يوحي بذكرى محددة، والهيئة المريحة قد توحي بسكينة في ذهن الحالم. وإن كان السمك مشتركًا بينهما على مائدة فقد يعبر عن لقاء ذكريات، وإن كان في الماء فقد يعبر عن عالم واسع من الذكريات. ويُستحسن ألا يعطي الحالم كل تفصيل وزنًا كبيرًا، فالأحلام لا تحفظ الدقة كما تفعل الأخبار. والأمر كله مما يُستأنس به لا يُحكم به.
ومن الناحية النفسية، قد يعبّر الحلم عن عملية حزن طبيعية يمرّ بها الإنسان بعد الفقد، فالعقل يعود إلى من أحب ليعالج ما في الصدر من شوق. وقد يكون ذلك الحلم مناسبة للسكينة بدل الخوف إن نُظر إليه نظرة رحيمة. وفيه تذكير بأن الحب لا ينقطع بالغياب، وبأن أنفع ما نقدمه لأحبتنا الدعاء لهم وذكرهم بالخير. وقد يدعو إلى أن نتحدث عن مشاعرنا مع من نثق بهم.
ومن الناحية العملية، يمكن أن يُستفاد من الحلم بأن نكثر من الدعاء للأحبة الراحلين، وأن نتصدق عنهم بما نستطيع، وأن نصل من كانوا يحبون صلتهم من الأهل والأصدقاء. وفيه معنى الشكر على ما أسدوه إلينا من خير، ومعنى الحفاظ على ما تركوه من قيم طيبة. ومن الجميل أن نحيي ذكراهم بعمل صالح لا بمجرد الحزن. وهكذا يصير الحلم بابًا للرحمة والوفاء لا للقلق.
وفي الختام، فكل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُستخلص منه حكم عن حال المتوفى ولا أن يُبنى عليه قرار حقيقي في الحياة. فعلم الغيب عند الله وحده، وما يراه النائم قد يكون من حديث نفسه وشوقه. فالأجدر أن يدعو الحالم لأحبته بالرحمة والمغفرة، وأن يحسن الظن بربه، ويسأله السكينة والطمأنينة لقلبه، ثم يمضي في شأنه مطمئنًا.
