قد يرى الإنسان في منامه حيوانات مختلفة، كالأغنام والأبقار والدواب والطيور والقطط، وقد حوم الذباب حولها أو بينها في مكان واحد. ويتكرر هذا المشهد عند من عاشوا قرب الحقول والبيوت الريفية، كما يظهر عند سكان المدن لأن العقل يستعير صور الحيوانات في أحلامه كثيرًا. والتعبير عنه رمزي لا حرفي، ولا يصح أن يُؤخذ خبرًا عن أمر مقبل أو حكمًا على أحد. وما نذكره هنا تأملات عامة يتدبرها الرائي بهدوء.
وللحيوانات في الأحلام عند بعض المعبرين معانٍ متعددة بحسب نوع كل حيوان، فقد تُقرأ رمزًا للمال والرزق أو للأهل والتابعين أو للصفات والطباع. أما الذباب فيُقرأ رمزًا للمنغصات الصغيرة التي تحوم حول الإنسان. وعليه فإن اجتماعهما قد يُفهم على أن في ما يملكه الرائي أو يرعاه أمورًا صغيرة مزعجة تحتاج إلى عناية، وليس في ذلك معنى الخسارة أو الشر، وإنما معنى التفقد والحفظ.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما يُروى عنه أن الذباب قد يدل على أمور هينة مزعجة وخصوم ضعفاء، وأن الحيوانات الأليفة قد تدل على مال أو أتباع بحسب نوعها. وذهب بعض المفسرين إلى أن ما يحوم حول المقتنيات في المنام قد يرمز إلى ما يشغل صاحبها بشأنها. واختلف المعبرون في ذلك اختلافًا واسعًا، ولا يجوز أن تُنسب هذه المعاني إلى شخص ما أو تُقال في حق أحد.
وتتغير الدلالة بتغير نوع الحيوان وحاله. فإن كانت الحيوانات سمينة هادئة والذباب قليلًا، فقد يُقرأ ذلك رمزًا لنعمة يرافقها منغص يسير. وإن كانت نحيفة مضطربة والذباب كثيرًا، فقد يشير إلى انشغال بأمر يحتاج رعاية أكبر. وإن كانت الحيوانات أليفة في البيت، فقد يتصل الأمر بشؤون الأسرة. وإن كانت برية في الصحراء أو الغابة، فقد يتصل بمواقف عامة بعيدة عن الرائي. ويبقى كل ذلك من باب الاحتمال.
وللرجل قد يرتبط المنام بما يملكه ويرعاه من مال وأهل وعمل. وللمرأة المتزوجة قد يرتبط برعاية الأسرة وتفاصيل حياتها اليومية. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن حبها للحيوانات أو اهتمامها بالرفق بها أو عن مشاعر عامة تجاه المحيط. وللتاجر قد يرتبط بتجارة قريبة من الماشية أو الغذاء وما فيها من مشاغل صغيرة. وللحامل قد يكون صدى لانشغالها بتجهيز البيت والعناية بكل ما حولها.
ومن الدقائق أن يُنظر إلى مكان الذباب من الحيوان. فإن كان حول العينين أو الظهر، فقد يرمز ذلك إلى إزعاج متكرر. وإن كان حول الطعام أو الماء، فقد يرتبط بأمر الرزق. وإن كان بعيدًا عن الحيوان، فقد يُحمل على السلامة. ويمكن للرائي أن يتأمل شعوره، هل أشفق على الحيوان أم لم يبالِ، فإن الشفقة تعبّر غالبًا عن رحمة في قلبه، وهي خلق حسن.
ومن الناحية النفسية، فقد يعبّر هذا المنام عن شعور بالمسؤولية تجاه من نرعاهم أو ما نملكه، وعن قلق من أن تفوتنا العناية بتفصيل صغير. والعقل في النوم يحوّل هذا القلق إلى صور محسوسة. ويفيد الرائي أن يرتب أولوياته في الرعاية، وأن يتفقد أمور من يعول بهدوء، ويستعين بأهل الخبرة. فالعناية المنتظمة تمنع تراكم الصغائر.
ومن الحكمة أن يجعل الرائي هذا المنام باعثًا على الرفق بالحيوان إن كان له شأن به، فيوفر له الغذاء والنظافة والظل. وأن يتعاهد بيته وحظيرته ومكان عمله بالنظافة، فإن ذلك من حسن القيام على النعمة. والدعاء بالبركة في المال والأهل والصحة من خير ما يُختم به اليوم.
وإذا كان الرائي صاحب حيوانات في الواقع وشعر بقلق على صحتها بعد هذا المنام، فالأولى أن يتفقدها ويستشير طبيبًا بيطريًا إن لزم، ولا يعتمد على المنام. فالمنام لا يدل على مرض أو سلامة.
ومن المهم أن يفرّق الرائي بين حال الحيوانات في المنام وحالها في اليقظة، فقد تكون الصورة المنامية مجرد تركيب عشوائي لذكريات قديمة عن مزرعة زارها أو مشهد رآه في فيلم أو صورة. والعقل في النوم لا يعتني بالمنطق، بل يخلط الأشياء ويركبها بأشكال غريبة. فلا ينبغي أن يُرهق الرائي نفسه في فك كل خيط من خيوط المنام، فالكثير منه لا معنى له.
كذلك فإن من الأمور التي تُذكر أن كثرة الحيوانات في المنام قد تعبّر عن كثرة المسؤوليات والناس الذين يعتمدون على الرائي، وفي المقابل يعبّر الذباب عن ثقل التفاصيل الصغيرة. فإذا نظر الرائي في حياته وجد أنه يحمل أعباءً كثيرة متفرقة، فربما كان هذا هو المعنى الأقرب. وفي هذه الحال يفيده أن يوزع المهام، وأن يطلب العون ممن حوله، وألا يحمل ما لا طاقة له به. فالحكمة في تقسيم الأعباء لا في حملها كلها وحيدًا.
وختامًا، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يخلو من الخطأ، ولا ينبغي أن يكون أساسًا لقرار مهم. والأولى أن يقابل الإنسان ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله وأن يفوض أمره إليه. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما قيل في هذا الباب يبقى جهدًا إنسانيًا محدودًا.
