قد يرى الإنسان في منامه ذبابًا وبعوضًا معًا يطنّان حوله في ساعة هدوء أو في فراشه أو في مكان جلوسه، فيستيقظ منزعجًا كأنه لم ينم. وهذا المنام من الأحلام الشائعة، خاصة في الفصول الدافئة وعند من يعانون من أصوات الليل. والتعبير عنه رمزي لا حرفي، ولا يصح أن يُؤخذ خبرًا عن أمر سيقع أو حكمًا على أحد. وما نذكره هنا تأملات عامة يستأنس بها الرائي في فهم حاله بهدوء ورفق.
وكلا المخلوقين عند من تحدثوا في التعبير يُقرأ رمزًا للمنغصات الصغيرة، غير أن لكل منهما نكهة خاصة في الرمز. فالذباب يميل إلى معنى الإلحاح والتكرار والأمور المتروكة دون عناية، والبعوض يميل إلى معنى الأذى الخفيف المتسلل والكلام الذي يطنّ في الأذن ويستنزف الصبر. فاجتماعهما قد يُفهم على أن الرائي يعيش فترة تتوالى فيها المنغصات من جهات مختلفة، كلها صغيرة لكنها متفرقة ومتراكمة.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما يُروى عنه أن الذباب والبعوض قد يدلان على خصوم ضعفاء أو منغصات يسيرة، وأن كثرتهما قد تُحمل على كثرة المزعجات لا على قوة الأذى. وذهب بعض المفسرين إلى أن البعوض قد يشير إلى أمور تمتص من صاحبها طاقته دون أن يشعر. وقد اختلف المعبرون في هذا اختلافًا واسعًا، ولا يصح أن يوجَّه شيء من ذلك نحو أحد، فهي معانٍ عامة للتأمل لا للاتهام.
وتتغير الدلالة بحسب التفاصيل. فإن كان الذباب والبعوض في غرفة النوم، فقد يرتبط المعنى بالراحة والأفكار قبل النوم. وإن كانا في المطبخ، فقد يتصل برزق البيت وتدبيره. وإن كانا في مكان العمل، فقد يتصل بالتفاصيل اليومية المتعبة. وإن كان أحدهما أكثر من الآخر، فقد يُنظر إلى الأغلب منهما في المعنى. وإن زالا بعد رشٍّ أو تهوية أو إغلاق نافذة، فقد يُقرأ ذلك رمزًا لحل بسيط ينهي الإزعاج.
وللرجل قد يتصل المنام بانشغاله بمهام صغيرة متفرقة تقطع عليه تركيزه. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن كثرة الطلبات الصغيرة المتتابعة في البيت. وللفتاة غير المتزوجة قد يرمز إلى كلام عابر أو رسائل أو أفكار متكررة تشغل بالها. وللحامل قد يكون صدى لقلة النوم وثقل الأيام، وهي حال تمر بها كثيرات. وللتاجر قد يشير إلى متابعات متعددة صغيرة تتطلب نظامًا واضحًا.
ومن الدقائق أن ينتبه الرائي إلى الصوت في المنام، فقد يكون الطنين هو الأصل. فإن كان الطنين مزعجًا ومستمرًا، فقد يرمز إلى فكرة ملحة تعود إلى الذهن. وإن كان خافتًا، فقد يشير إلى هم عابر. وقد يكون الصوت أثرًا لصوت حقيقي قرب النائم، كمروحة أو جهاز، فيدخل في الحلم دون معنى. وفي هذه الحالة لا حاجة للتأويل. ولا ننسى أن النوم المتقطع نفسه يُنتج أحلامًا مضطربة.
ومن الناحية النفسية، فإن اجتماع هذين المزعجين الصغيرين قد يعكس حالة إرهاق ذهني بسبب كثرة المقاطعات في اليوم، كالهاتف والرسائل والطلبات. والإنسان حين تتفتت انتباهاته يشعر بأن شيئًا ما يطنّ حوله دومًا. ويفيد أن يخصص أوقاتًا للتركيز دون مقاطعة، وأن يغلق ما يشتته، وأن ينظم وقته بين العمل والراحة، فهذه الخطوات البسيطة تخفف كثيرًا من هذا الإحساس.
ومما يعين على الراحة قبل النوم أن يهيئ الإنسان غرفته، فيرتبها ويهويها ويقلل الضوضاء والشاشات. وأن يختم يومه بذكر ودعاء وتأمل هادئ في نعم الله عليه. وأن يتعلم الصبر على ما لا يملك تغييره، وأن يعالج الصغائر قبل أن تكبر. فكم من هم صغير تضخم بالإهمال، وكم من همّ كبير هان بالتدبير المبكر.
وليحذر الرائي أن يستخدم المنام لتبرير سوء ظن بمن حوله، فالبعوض والذباب في المنام صور لا تدل على أشخاص. والأخلاق الحسنة تقتضي أن نحمل الناس على أحسن المحامل، وأن نجعل ما نراه في المنام شأنًا خاصًا بنا ومحاسبة لأنفسنا.
وإذا كان الأرق أو القلق مستمرًا وأثّر في عمل الإنسان وراحته، فمن الحكمة أن يستشير مختصًا، فذلك من الأخذ بالأسباب، ولا علاقة له بتفسير الأحلام.
ومن الملاحظات التي تُذكر في هذا الباب أن بعض الناس يرون هذا المنام في مواسم معينة أو بعد أيام مرهقة، فتكون صلته بالحال الجسدية والنفسية أقوى من صلته بأي رمز. فمن نام وهو متعب أو مشغول البال رأى صورًا مضطربة، ومن نام مطمئنًا رأى غالبًا صورًا هادئة. فليكن نظر الرائي في حاله أولًا، ثم في المنام، وليأخذ من الأمرين العبرة اللائقة من غير مبالغة ولا تهويل. وليذكر أن كثيرًا من الأحلام تذهب مع الصباح كما جاءت.
وختامًا، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا ينبغي أن يكون أساسًا لقرار مهم. والأولى أن يقابل الإنسان ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يفوض أمره إليه. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يقال في الرؤى يبقى تأملًا إنسانيًا محدودًا.
