يرى بعض الناس في منامهم ذبابًا كثيرًا يحوم حولهم، فيخطر لهم عند الاستيقاظ أن المنام يشير إلى أعداء صغار أو خصوم ضعفاء يتربصون بهم. وهذه الفكرة شائعة على ألسنة الناس، وكثيرًا ما تقود إلى سوء ظن وقلق في غير موضعه. ولذلك يلزم التنبيه في البداية إلى أن المنام رمز لا يُحمل على ظاهره، وأن العبارة المأخوذة من كتب التعبير عن الأعداء الصغار هي من باب الاصطلاح الرمزي لا من باب الإخبار. ولا يجوز بحال أن يشكّ الرائي في شخص معين بسببه.
والذباب في الأحلام يُقرأ عند من تكلموا فيه رمزًا للمنغصات الصغيرة التي تحوم حول الإنسان وتزعجه دون قوة حقيقية. وقد يُفهم هذا في جانبه النفسي على أنه صورة للمخاوف الداخلية والأفكار الصغيرة المتكررة التي نتخيلها أعداءً، وهي في حقيقتها قلق وحذر زائد. فالعقل أحيانًا يصنع من الهموم المبهمة كائنات صغيرة تحوم حولنا. وهذا التفسير النفسي هو الأسلم والأقرب إلى الاعتدال.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما يُروى عنه أن الذباب قد يدل على خصوم ضعفاء مزعجين لا يبلغون مبلغ الأعداء الأقوياء. وذهب بعض المفسرين إلى أن كثرة الذباب قد تُحمل على كثرة المنغصات لا على قوة الأذى. وهذه القراءات مما اجتهد فيه بعضهم، وقد اختلف المعبرون فيها اختلافًا واسعًا، ومنهم من لم يلتفت إليها إطلاقًا. ولا ينبغي أن تُسقط على أحد من الناس أو أي جماعة، ولا أن يبني عليها الرائي ظنًا في أهله أو جيرانه أو زملائه.
وتتغير الدلالة بتغير التفاصيل. فإن كان الذباب قليلًا ولا يبالي به الرائي، فقد يُقرأ رمزًا لمنغص يسير لا يستحق الانتباه. وإن كان كثيرًا يزعج، فقد يعبّر عن ضغط ذهني من مشاغل صغيرة متفرقة. وإن طرده الرائي بسهولة، فقد يرمز إلى قدرته على تجاوز الهموم. وإن عاد بعد الطرد، فقد يشير إلى أن بعض الأفكار تحتاج إلى معالجة جذرية لا مجرد تجاهل. وكلها احتمالات تأملية لا قطع فيها.
وللرجل قد يتصل المنام بمخاوفه من تفاصيل العمل والمنافسة العامة، وهي مخاوف طبيعية ينفع معها الإعداد الجيد. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن حساسية من كلام الناس العابر أو توقعات الأهل. وللفتاة غير المتزوجة قد يرتبط بقلق من الأحاديث العامة أو من عيون الناس. وللتاجر قد يرتبط بقلق من تقلبات السوق والمنافسة بشكل عام، لا من أشخاص بعينهم. وللحامل قد يكون صدى لكثرة التفكير في الحماية والاطمئنان.
ومن الدقائق أن يتأمل الرائي حاله هو أكثر من الذباب. فهل كان قبل المنام يتحدث عن خصومة أو يفكر في مشكلة؟ وهل كان متعبًا قلقًا؟ فغالبًا ما يكون الجواب في حاله لا في صور المنام. وإن لم يجد في يقظته ما يشغله من ذلك، فالأقرب أن المنام عابر. ولا يصح أن يتحول الأمر إلى بحث عمن قصده بالأذى، فإن هذا باب من الظن لا نهاية له ولا فائدة منه.
ومن الناحية النفسية، فإن الإنسان القلق يميل إلى رؤية التهديد في تفاصيل صغيرة، وهذا ما يسميه بعض أهل النفس التفكير التوقعي. والأحلام تظهر ذلك في صور مبالغ فيها. ويعين على تخفيفه أن يُحسن الرائي الظن بالناس، وأن يصرف انتباهه إلى ما ينفعه، وأن يعالج الخلافات الحقيقية إن وجدت بالحوار الطيب، وأن يتجنب تضخيم الأمور بالتخيل.
ومن حسن الخلق أن يعفو الإنسان ويصفح، وأن يطرد من قلبه الظنون السيئة، فإن القلب الصافي أهدأ نومًا وأصفى حلمًا. وليكثر من الدعاء بأن يحفظه الله من كل سوء، وأن يصلح ما بينه وبين الناس، وأن يرزقه سكينة القلب. وبهذا يكون للمنام أثر نافع بدل أن يكون مصدر وسوسة.
وإذا لازم الرائي قلق شديد من أن هناك من يتربص به دون سبب واضح، فمن الحكمة أن يتحدث مع شخص موثوق أو مختص نفسي، فهذا من الأخذ بالأسباب ولا علاقة له بتأويل الأحلام.
ومن الأمور التي تُطمئن الرائي أن كثيرًا ممن يرون هذا المنام لا يجدون في حياتهم أحدًا يعاديهم أصلًا، وهذا دليل على أن الصورة نفسية في أغلبها. فالنفس البشرية تميل إلى أن تتخيل مصدرًا خارجيًا لكل انزعاج، بينما قد يكون المصدر داخليًا. فإذا أدرك الرائي ذلك خفّ عنه الثقل، وانصرف إلى إصلاح ما يستطيع إصلاحه من نفسه وأحواله.
وقد يرد المنام عند من يعيش مرحلة جديدة، كعمل جديد أو سكن جديد أو دراسة جديدة، فتكثر المخاوف المبهمة. وهي مرحلة تمر وتنقضي بالتعود والأنس. فليصبر الرائي ويتأنى، ولا يستعجل حكمًا على من حوله، فإن الأيام كفيلة بأن تُظهر له أن أكثر ما خافه لم يكن له وجود.
وختامًا، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساسًا لاتهام أحد أو لقرار مهم. والأولى أن يقابل الإنسان ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله وأن يفوض أمره إليه. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يقال في الرؤى يبقى جهدًا إنسانيًا محدودًا.
