قد يرى الإنسان في منامه مجلس عزاء أو مكانًا يجتمع فيه الناس للمواساة، وقد حام الذباب في المكان أو وقف على شيء فيه. وهذا المشهد ثقيل على النفس لأنه يجمع بين وقار الموقف وإزعاج الحشرات، فيستيقظ الرائي مضطربًا وربما حزينًا. ولا بد من التذكير بأن المنامات رموز لا تُحمل على ظاهرها، وأن هذا النوع بالذات لا ينبغي أن يُخيف صاحبه أو يُوهمه بأمر سيقع. وما سيأتي قراءات عامة وهادئة يتأمل فيها الرائي بلا جزم.
ومجالس العزاء في الأحلام قد تحمل عند بعض المفسرين معاني الاعتبار وتذكّر زوال الأشياء، وقد تكون أيضًا انعكاسًا لمشاعر الحزن أو الفقد أو الخوف من فقد المحبوبين، وهي مشاعر إنسانية مألوفة. أما الذباب فيُقرأ عندهم رمزًا للمنغصات الصغيرة التي تحوم حول الإنسان في أوقاته المختلفة. فاجتماعهما قد يُفهم على أن في النفس ثقلًا عابرًا تختلط فيه المشاعر الحزينة بمنغصات يومية صغيرة، ويحتاج الرائي معه إلى رفق وسكينة.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما يُروى عنه أن الذباب قد يدل على أمور مزعجة هينة، وذهب بعض المفسرين إلى أن اقترانه بمشاهد الحزن قد يعبّر عن هموم عارضة لا عن مصيبة حقيقية. غير أن أهل التعبير اختلفوا في هذا اختلافًا ظاهرًا، ومنهم من رأى أن مثل هذه الرؤى أقرب إلى حديث النفس وما شغلها في اليقظة. ولا يجوز بحال أن تُستعمل هذه القراءات للتنبؤ بموت أحد أو بمصاب، فهي لا تدل على ذلك، والغيب عند الله وحده.
وتتغير دلالة المنام بتغير التفاصيل. فإن كان الذباب قليلًا ولم يلتفت إليه أحد، فقد يُقرأ رمزًا لانشغال بسيط وسط مشاعر ثقيلة. وإن كان الرائي يحاول أن يحفظ هدوء المجلس ويبعد الذباب برفق، فقد يعبّر عن رغبته في صون وقار اللحظات الصعبة. وإن زال الذباب مع انتهاء المجلس، فقد يرمز إلى انقشاع همّ عارض. وإن كان الحزن هو الغالب على الرائي، فالأقرب أنه أثر نفسي أكثر منه رسالة خاصة.
وللمرأة المتزوجة قد يرتبط المنام بمشاعرها نحو أهلها وما يمر بها من حنين أو خوف على أحبابها. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن قلق عام أو تأثر بخبر سمعته. وللرجل قد يتصل بتفكيره في مسؤولياته تجاه أسرته. وللحامل قد يكون صدى لحساسية المشاعر في تلك الفترة، وهي حال معروفة لا ينبغي أن تُحمَّل أكثر مما تحتمل. وللتاجر قد يتصل بانشغاله بالتزاماته الدنيوية وتذكّره بأن المال زائل والعمل الصالح أبقى.
ومن الدقائق أن يُنظر في أحاسيس الرائي بعد المنام. فإن تذكر موقفًا حقيقيًا من مجالس العزاء حضرها في الأيام الماضية، فالأقرب أن المنام امتداد لذلك. وإن كان قد سمع خبر وفاة قريبة منه، فالتأثر النفسي هو الأرجح سببًا. وإن لم يكن له شيء من ذلك، فقد يكون المنام عابرًا. وليس في وجود الذباب في هذا المشهد ما يدل على شيء في حق أحد من الناس، لا حيًا ولا ميتًا.
ومن الناحية النفسية، فإن مشاهد العزاء في الأحلام كثيرًا ما تأتي حين يمر الإنسان بمرحلة تغيير أو وداع، كانتهاء وظيفة أو سفر أو انتقال من مرحلة إلى أخرى، فتعبّر النفس عن ذلك بلغة الفقد. والذباب فيها يمثل التفاصيل الصغيرة المزعجة التي ترافق التغييرات. ومن المفيد أن يمنح الرائي نفسه وقتًا للتعبير عن مشاعره، وأن يتحدث مع من يثق به، وألا يكتم حزنه، وأن يحافظ على نومه وطعامه.
ويحسن أن يستعين الرائي بالدعاء والذكر وقراءة ما يشرح صدره، وأن يدعو لأهله وأحبابه بالخير والرحمة والعافية. وإن كان له متوفى عزيز عليه فليدعُ له بما يحب، وليتصدق عنه إن شاء، من غير أن يربط ذلك بالمنام. كما أن حسن الظن بالله يمنح القلب سكينة، ويجعل الرائي أقدر على تجاوز لحظات الثقل.
وإذا تكرر المنام وأثّر في حياة الرائي، فلا بأس أن يلجأ إلى شخص حكيم أو مرشد نفسي ليتحدث معه. فالحزن إذا طال قد يحتاج إلى سند. وليس ذلك عيبًا ولا ضعفًا، بل هو من الأخذ بالأسباب.
ومن المفيد أن يتذكر الرائي أن المجتمعات والعادات تختلف في مظاهر العزاء، وأن العقل يستعير في المنام صورًا مما اعتاد رؤيته في بلده وأسرته. فلا يصح أن يُستخلص من تفاصيل المكان أو الطعام أو الحاضرين شيء غير الأثر النفسي المألوف. وإن شعر الرائي بحاجة إلى مواساة أو إلى تواصل مع أقاربه، فخير ما يفعله أن يبادر بزيارة أو اتصال طيب، فإن في صلة الأرحام راحة للنفس. وليكن همّه أن يتحلى بالرفق واللين مع من حوله، فكل إنسان يحمل في قلبه ما يحمل.
وختامًا، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني لا يخلو من الخطأ، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار في الحياة. والأولى أن يقابل الإنسان ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يفوض أمره إليه. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يقوله الناس عن الرؤى لا يعدو أن يكون تأملًا بشريًا محدودًا.
