يرى بعض الناس في منامهم وليمة عامرة بالطعام والضيوف، وقد حطّ الذباب على الأطباق أو حام فوق المائدة. وهذا المشهد يجمع بين صورة الفرح والكرم وصورة المنغص الصغير، فيحتار الرائي في معناه. والتعبير عن مثل هذه الأحلام رمزي لا حرفي، ولا يصح أن يُؤخذ على أنه خبر عن حدث قادم. وما نذكره هنا قراءات عامة يتأمل فيها الرائي ما يناسب حاله، ولا نقصد بها أحدًا من الناس.
والوليمة في الأحلام ترمز عند بعض المفسرين إلى الخير والاجتماع والنعمة والمناسبات السعيدة، والطعام فيها يرمز إلى الرزق والعطاء. أما الذباب فيُقرأ رمزًا للمنغصات الصغيرة التي قد تلازم الأمور الحسنة دون أن تفسدها. فإذا اجتمعا، فقد يُفهم المنام على أن في النعمة أو المناسبة تفاصيل صغيرة مزعجة ينبغي الانتباه لها. وكأن المنام يذكّر بأن اكتمال الفرح يحتاج إلى عناية بما يحيط به.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما يُروى عنه أن الذباب قد يدل على أمور مزعجة هينة وعلى خصوم ضعفاء. وذهب بعض المفسرين إلى أن وقوعه على الطعام قد يُحمل على منغصات تعتري المعاش أو المناسبة. واختلف المعبرون في ذلك اختلافًا كبيرًا، فمنهم من لم يلتفت إليه أصلًا. ولا يجوز أن تُوجَّه هذه المعاني إلى شخص أو جماعة، فهي في أصلها تأملات في حال الرائي ونعمه وأحواله.
وتتغير دلالة المنام بتغير التفاصيل. فإن كان الذباب قليلًا ثم طُرد، فقد يُقرأ رمزًا لمنغص صغير سرعان ما يزول. وإن كان كثيرًا غطى المائدة، فقد يشير إلى انشغال بتفاصيل تشوّش على الفرحة. وإن كان الرائي هو المضيف، فقد يتصل المعنى بحرصه على الإتقان وخشيته من التقصير. وإن كان ضيفًا، فقد يعبّر عن حساسية تجاه أجواء المناسبات. وإن استمر الضيوف في الأكل بسعادة، فقد يُحمل على أن النعمة أكبر من المنغص.
وللمرأة المتزوجة قد يرتبط المنام بتجهيز البيت والمناسبات الأسرية وما يصاحبها من توتر وإجهاد. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن قلق من تفاصيل مناسبة قريبة أو نظرة الناس. وللرجل قد يتصل بنفقات الضيافة والتزاماتها. وللتاجر قد يشير إلى تفاصيل صغيرة في صفقة أو عقد تحتاج إلى مراجعة هادئة. وللحامل قد يرتبط بالتفكير في التحضيرات والاستعداد.
ومن الدقائق أن يُنظر في نوع الطعام وحال المائدة. فإن كان الطعام مغطى والذباب بعيدًا عنه، فقد يُفهم ذلك على حفظ النعمة وصونها. وإن كان مكشوفًا، فقد يكون في الرمز تنبيه إلى أهمية العناية بما نملكه. وإن كانت المائدة نظيفة مرتبة رغم الذباب، فقد يُحمل على أن الأمور في مجملها بخير. وإن اضطرب المجلس، فقد يعكس قلقًا من الفوضى. وهذه كلها تفاصيل تأملية لا يُبنى عليها حكم.
ومن الناحية النفسية، قد يكون هذا المنام انعكاسًا لانشغال الرائي بمناسبة قريبة أو بحرصه على أن يكون كل شيء على ما يرام. فالكمال في الأمور الاجتماعية مطلب شاق، وقد يتحول الحرص إلى قلق يظهر في الأحلام. ويفيد في ذلك أن يوازن الإنسان بين الاهتمام والتسامح، فلا ينتظر مناسبة بلا أي هفوة صغيرة. فالجمال في الصحبة والمودة لا في خلو المائدة من كل ملاحظة.
ويحسن بالرائي أن يستقبل نعم الله بالشكر، وأن يعتني بما أُعطي من طعام وأسباب، فيحفظه ويغطيه ويوزعه بالعدل. وأن يترك المبالغة في التفكير في آراء الضيوف. والدعاء بالبركة في الرزق والمجلس من الأعمال الطيبة. وليس في المنام ما يدعو إلى الحزن، فهو غالبًا تنبيه لطيف لا إنذار.
ومما يُذكر في هذا السياق أن الوليمة في الأحلام قد تحمل معنى المشاركة والكرم، فإن رأى الرائي أنه يوزع الطعام على الناس والذباب يحوم، فقد يُفهم ذلك على أن العطاء قد يصاحبه بعض الإزعاج أو الانتقاد دون أن يبطل فضله. وكأن المنام يشير إلى أن من أراد أن يفعل الخير فلا يُعجزه كلام عابر أو ملاحظة صغيرة. وهذه قراءة لطيفة لا تخلو من الاحتمال والخلاف، ولا تُلزم أحدًا بشيء.
كما أن الطعام عند كثير من الناس مرتبط بالذكريات الأسرية والمناسبات القديمة، فقد يستحضر العقل في المنام وليمة سابقة لتشبيه حال حاضرة. فإذا شعر الرائي بالحنين أو بالانزعاج بعد الاستيقاظ فليس في ذلك دليل على أمر ما. ويكفيه أن يشكر الله على ما بين يديه، وأن يحسن الظن بمن حوله، وأن يعتني بموائده وبيته بالقدر المعقول من غير تكلف.
وختامًا، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا ينبغي أن يكون أساسًا لقرار مهم. والأولى أن يقابل الإنسان ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله وأن يفوض أمره إليه. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وكل ما قيل في هذا الباب لا يخرج عن كونه تأملًا إنسانيًا محدودًا.
