يرى بعض الناس في منامهم ذباباً أسود اللون، فيستيقظون وقد علق في نفوسهم شيء من الكدر بسبب السواد الذي اقترن بالمشهد. واللون الأسود في الأحلام لا يعني بالضرورة شراً، فهو في كثير من التفسيرات يرتبط بالثقل والغموض والانشغال أكثر مما يرتبط بالأذى. والذباب كائن صغير ضعيف في أصله، فاجتماع ضعفه مع لون داكن يعطي صورة لشيء مزعج الظاهر قليل الأثر. ولا بد من التذكير بأن هذه قراءات رمزية اجتهادية لا يقطع بها، وأن الرؤيا لا تُحمل على ظاهرها.
وفي الرموز العامة يُنظر إلى الذباب على أنه صورة للمنغصات الصغيرة التي تحوم حول الإنسان وتعود إليه مراراً. أما السواد فيضيف إلى ذلك ظلاً من الثقل النفسي، كأن الهم المقصود ملتصق بالبال ويصعب صرفه. وقد يعبر الحلم عن فكرة داكنة تتردد في الذهن، أو عن موقف سبب انقباضاً قديماً لم يُنسَ بعد. ومع ذلك يبقى حجم الذباب الصغير تذكيراً بأن ما يُثقل النفس ليس بالضرورة كبيراً في حقيقته.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الذباب يدل على أعداء ضعاف أو مضايقين لا يملكون قدرة كبيرة على الضرر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الألوان الداكنة في الرؤى قد تشير إلى شدة الشاغل وكثافته، لا إلى وقوع المكروه. وقد اختلف المفسرون في ذلك اختلافاً بيناً، فمنهم من اعتبر اللون ذا أثر ومنهم من لم يلتفت إليه كثيراً. ولا ينبغي أن تُسقط هذه الأقوال على أحد من الناس، فهي صور تتعلق بحال الرائي النفسية أولاً.
ويتغير المعنى بتغير التفاصيل، فإن كان الذباب الأسود بعيداً عن الرائي فالأمر أخف، وإن كان قريباً من وجهه أو يده فهو أقرب إلى شاغل ملحّ. وإن كان قليلاً فالمنغص محدود، وإن كان كثيراً فقد تكون الأعباء متراكمة. وإن ابتعد بسهولة فذلك رمز لانفراج قريب بإذن الله، وإن لازمه طويلاً فقد يحتاج الرائي إلى مواجهة ما يشغله بهدوء بدل التهرب منه. ومشاعر الرائي أثناء الحلم من أهم القرائن في ذلك.
وللرجل قد يُقرأ الحلم على أنه إشارة إلى مضايقات يسيرة في العمل أو ضغوط مالية صغيرة تُثقل الذهن دون أن تعطل الحياة. وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى هموم البيت وأعبائه اليومية التي تتراكم في ظروف التعب. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر عن أفكار قلقة حول المستقبل أو كلام ثقيل سمعته فبقي أثره في نفسها. وكل ذلك احتمال من الاحتمالات وليس حكماً قاطعاً.
وللحامل معنى خاص هادئ، فكثيراً ما تتلون أحلامها بمشاعر القلق الطبيعي في هذه المرحلة، فيظهر الذباب الأسود تعبيراً عن خوف عابر لا أصل له. وللتاجر قد يشير عند بعضهم إلى تفاصيل صغيرة منغصة في الحسابات أو التعامل مع الناس لا تهدد التجارة. وليس في شيء من ذلك نذير بالسوء، بل هي صور رمزية للانشغال تحتاج إلى تدبير وترتيب لا إلى فزع. فمن أحسن التدبير خفّت عليه الأمور.
ومن الدقائق التي تعين على الفهم أن يتذكر الرائي هل كان في الحلم يشعر بالاشمئزاز أم بالحيرة أم بعدم الاكتراث. فالاشمئزاز قد يدل على نفور من أمر في الواقع، والحيرة على تردد، وعدم الاكتراث على قوة داخلية. وكذلك مكان ظهور الذباب، وهل كان معه ضوء أو ظلام، فالظلام يزيد الإحساس بالغموض. وهذه الاعتبارات كلها تدور حول النفس لا حول وقائع الخارج.
وفي الجانب النفسي والعملي، قد يكون الحلم دعوة إلى التخفف من الأفكار السوداوية التي لا طائل منها، وإلى الإكثار من الأعمال التي تنعش الروح من مشي وهواء نقي وحديث طيب. والتعامل مع الهم الصغير في بدايته يمنعه من أن يتضخم في الخيال حتى يبدو أسود قاتماً. كما أن الصبر والهدوء يطردان كثيراً من المنغصات كما يطرد الإنسان ذبابة بحركة هادئة. وحسن ترتيب البيت ونظافة المطبخ وتغطية الطعام من الأمور التي تريح النفس وتصفي الذهن.
ومما يحسن الانتباه إليه أن الإنسان قد يرى هذا الحلم بعد يوم مشحون بالأخبار أو الأحاديث الثقيلة، فيكون الذباب الأسود تعبيراً عن ذلك الشحن لا أكثر. وفي هذه الحال يكفي الرائي أن يخفف من تعرضه لما يرهق نفسه، وأن يمنح نفسه وقتاً للهدوء قبل النوم. فالأحلام كثيراً ما تتأثر بما نمتلئ به في يقظتنا، وتخفّ إذا خفّ الامتلاء.
وفي الختام يجدر التأكيد أن هذا كله اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي ولا أن يُخاف منه خوفاً يُقلق العيش. والأولى أن يتجه الرائي إلى الدعاء وحسن الظن بالله، وأن يعلم أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فمن لجأ إلى ربه بالسكينة والخير أصبح قلبه مطمئناً وتبدد كل ظل داكن.
