قد يحكي الطفل لأمه أو أبيه أنه رأى في منامه ذباباً كثيراً أو ذبابة كبيرة تطير حوله، وقد يحكيها بدهشة أو بضحك أو بشيء من الخوف. وهي رؤيا شائعة عند الأطفال، لأن الحشرات الصغيرة من أول ما يلفت نظرهم في الحياة اليومية. وينبغي أن نؤكد أن تفسير الأحلام رمزي لا حرفي، وأن رؤيا الطفل في الغالب صدى لما رآه وسمعه في نهاره. وما نذكره قراءات محتملة، تُقال على سبيل الاجتهاد، وقصدنا بها طمأنة الأهل لا تخويفهم.
الذباب عند من يقرأونه رمزياً بحذر صورة للمنغصات الصغيرة والأمور العابرة المزعجة. أما للطفل فإن عالمه صغير بسيط، وما يزعجه فيه أمور صغيرة كذلك: لعبة ضاعت، أو خلاف مع أخ أو صديق، أو أمر يوجهه به الكبار فلا يحبه، أو خوف خفيف من الظلام أو الحشرات. ولذلك قد تكون الصورة عنده تعبيراً بسيطاً عن شيء صغير شغل باله، أكثر من أن تكون صورة لشيء كبير. وهذا كله احتمال لا جزم فيه، ولا يصح أن يُحمَّل الطفل ولا أهله عبء تأويل ثقيل.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحشرات الصغيرة تدل على منغصات هينة وأمور يسيرة، وأن لحال الرائي من سن وعمل أثراً في فهم ما يظهر له. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى اعتبار حال صاحب الرؤيا قرينة في التأويل. غير أن المفسرين اختلفوا في تفاصيل ذلك اختلافاً واسعاً، ولا يوجد قول جازم متفق عليه، ولم يجعل أحد منهم رؤيا الطفل لمثل هذه الصور علامة على شيء مخيف. ولا ينبغي أن تُوجَّه هذه الأقوال إلى أحد من الناس، فالذباب رمز لا شخص، ولا يصح أن تُتخذ سبباً لقلق أو لعتاب أحد.
وتتغير القراءة بحسب تفاصيل ما يحكيه الطفل: فإن كان الذباب يلعب حوله أو يضحكه فهي صورة مرحة تعكس خياله، وإن كان يخيفه فقد تكون بحاجة إلى حديث لطيف وطمأنة. وإن حكى أنه طرده أو قتله فقد يدل ذلك على شعوره بالقدرة والقوة. وإن حكى أنه لم يستطع أن يفعل شيئاً فقد يحتاج إلى مزيد من الأمان والحنان. ويضاف إلى ذلك أن الأطفال كثيراً ما يخلطون بين الحلم والواقع، فلا ينبغي مناقشتهم في التفاصيل كثيراً.
ومن أحوال الطفل أنه قد يكون في مرحلة جديدة، كدخول المدرسة أو مجيء أخ جديد أو انتقال إلى بيت آخر، فتكثر عنده الأمور الصغيرة التي تحتاج إلى استيعاب. وفي مثل هذه الأحوال قد تظهر في أحلامه صور متكررة من الحشرات أو الحيوانات الصغيرة. ويرى بعضهم أن في ذلك تعبيراً عن مشاعر لا يعرف الطفل كيف يقولها بالكلام. وهذا اجتهاد ظني لا أكثر. وعلى الأهل أن يعاملوه بالحنان وأن يستمعوا إليه دون استخفاف أو تهويل.
وقد تكون الصورة كذلك أثراً لما شاهده الطفل في يومه من حشرات في الحديقة أو البيت، أو من رسوم متحركة أو قصص، أو حديث سمعه من الكبار عن الذباب والنظافة. فيعيد الدماغ الصغير عرض هذه المشاهد في صورة حلم. وليس في ذلك دلالة على شيء مقلق، فالأطفال كثيراً ما يرون في أحلامهم ما يعيشونه في نهارهم. وعلى الأهل ألا يبنوا على المنام ظناً بأحد من الأقارب أو المعلمين أو الأصدقاء، فهو صورة بريئة.
ومن التفاصيل الدقيقة: هل رأى الطفل الذباب في بيته أم في مدرسته أم في مكان غريب؟ فالبيت قد يتصل بما يألفه، والمدرسة بما يعيشه من علاقات ومهام، والمكان الغريب بما يجهله. وهل كان معه أحد في الحلم؟ فوجود أمه أو أبيه قد يوحي بحاجته إلى الأمان. وهل استيقظ باكياً أم هادئاً؟ فالبكاء يوجب مزيداً من الطمأنة، والهدوء يدل على أن الأمر عابر. وكل ذلك قراءة ظنية لا يُبنى عليها حكم على الطفل أو على أحد.
وفي كثير من الأحيان لا تكون لهذه الرؤيا دلالة تتجاوز ما شغل الطفل أثناء يومه، فالأحلام عند الأطفال شائعة جداً ومتنوعة، وكثير منها يُنسى بعد ساعات. وليس في الصورة ما يشير إلى ضرر أو سوء. فلا ينبغي أن يحمل الأهل الصورة أكثر مما تحتمل، وليكن همهم أن يشعر الطفل بالأمان والحب. ويكفي أن يسمعوه بابتسامة ويقولوا له كلمة طيبة تطمئنه.
وعملياً، ينفع الأهل أن يستمعوا إلى الطفل حين يحكي حلمه بهدوء ودون استجواب، وأن يطمئنوه بأن الأحلام صور تأتي وتذهب ولا تؤذي. وليحرصوا على انتظام نومه وغذائه، وعلى جو هادئ قبل النوم بقصة لطيفة أو دعاء بسيط يعلمونه إياه. ونظافة غرفته وتهويتها وإبعاد ما يخيفه من صور أو حكايات قبل النوم تنفع كثيراً. وإن تكررت الأحلام المخيفة فلا بأس باستشارة من يُعنى بأحوال الأطفال.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في تربية الطفل أو صحته أو علاقاته. فالرؤيا صورة عابرة لا تكشف الغيب. وأولى ما يفعله الأهل أن يحسنوا الظن بالله، ويدعوا لأبنائهم بالحفظ والبركة والنوم الهادئ، ويمضوا في حياتهم بتوكل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه تقدير بشري محدود.
