قد يرى النائم أن ذباباً يخرج من فمه أو يحوم قرب فمه، فيستيقظ وفي نفسه بعض الاستغراب أو الانقباض. وهذه رؤيا غريبة الشكل، لكنها كغيرها من الصور الرمزية لا تدل على شيء يصيب الجسد أو الصحة، وليس فيها ما يدعو إلى الفزع. ومن المهم أن نتذكر منذ البداية أن تفسير الأحلام قائم على الرمز لا الحرفية، فما يراه الإنسان في نومه صور ذهنية تتشكل من خواطره ومشاعره. وسنذكر فيما يلي بعض القراءات المحتملة بهدوء ودون تهويل.
ارتبط الفم في الرموز بالكلام وما يصدر عن الإنسان من قول، كما ارتبط بالطعام وما يدخل الجسد. أما الذباب فيُقرأ عند بعضهم على أنه صورة للمنغصات الصغيرة والأمور العابرة الخفيفة. ومن ثمّ يميل بعض من يتأملون هذه الصورة إلى ربطها بالكلام العابر أو بما يقوله الإنسان دون تفكير، وبرغبته في ألا يخرج منه ما يضايق غيره. وقد تعني الصورة كذلك أن الرائي يحمل في نفسه أمراً صغيراً لم يتكلم عنه. وكل هذه معان احتمالية لا يُجزم بشيء منها.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحشرات الصغيرة ترمز إلى منغصات هينة، وأن ما يخرج من الإنسان في المنام قد يُقرأ على ما يصدر عنه من قول أو فعل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى اعتبار موضع خروج الشيء قرينة في تفسيره. غير أن المفسرين اختلفوا في تفاصيل هذه الباب اختلافاً كثيراً، ومنهم من قرأ هذه الصورة قراءة مخالفة. ولا ينبغي أن تُحمَّل هذه الأقوال على أحد من الناس، فالقصد صورة رمزية في المنام، وليست حكماً على أحد.
ويتغير المعنى بحسب ما يصاحب المشهد: فإن كان الذباب يخرج ببطء ويطير مبتعداً فقد يُقرأ ذلك على أن همّاً صغيراً كان في الصدر قد خرج وانتهى. وإن كان يخرج بكثرة فقد يُفهم على أن في النفس أموراً صغيرة متراكمة تحتاج إلى تنفيس. وإن شعر الرائي بالراحة بعد خروجه فذلك يميل إلى الخير، وإن شعر بالضيق فقد يشير إلى حاجته إلى الهدوء. ويضاف إلى ذلك أن الصورة قد تتأثر بما قاله الإنسان أو سمعه في يومه، فتأتي في المنام بشكل غريب.
وللفتاة غير المتزوجة قد يرتبط المشهد بحرصها على ما تقول وما يقال لها، أو بخواطر لم تعبر عنها. ويرى بعضهم أن فيه دعوة لطيفة إلى التعبير عن مشاعرها بهدوء ولين. وهذا ظن لا جزم. وليس في الرؤيا ما يدل على سوء ولا على عيب في صاحبتها، فهي صور ذهنية عابرة. وعليها ألا تظن بأحد من حولها ظناً بسبب هذا المنام.
وللمرأة المتزوجة قد يرتبط بالكلام داخل الأسرة وبما يتبادله أفرادها من حديث يومي، وبرغبتها في أن يكون الحديث ألطف وأهدأ. وللرجل قد يرتبط بكلامه في العمل أو بين الأصدقاء، وحرصه على ألا يخرج منه ما يضايق. ويقول بعض المفسرين إن العبرة بحال الرائي، ولذلك تتنوع القراءات. ولا يُتخذ شيء من هذا سبباً لقرار أو لوم لنفسه أو لغيره.
ومن التفاصيل الدقيقة: عدد الذباب، وهل كان يخرج من الفم وحده أم معه شيء آخر؟ وهل كان الرائي متكلماً أو ساكتاً أثناء ذلك؟ فالصمت قد يوحي بأمور في النفس لم تُقل، والكلام قد يوحي بتأثر بحديث حقيقي. وهل ابتعد الذباب فوراً أم بقي حوله؟ فابتعاده يميل إلى السكينة. وكل ذلك يؤخذ على سبيل التأمل، وليس فيه ما يخيف أو يوجب الانشغال.
وقد يكون هذا الحلم في بعض الأحيان انعكاساً بسيطاً لجسدٍ متعب أو لنوم متقطع، كأن يكون الفم جافاً أو التنفس ثقيلاً أثناء النوم، فيصوغ العقل ذلك في صورة غريبة. وفي مثل هذه الحالات لا يكون للصورة معنى خاص أصلاً، وإنما هي ثمرة تعب أو إرهاق. وفي هذا طمأنة لمن أزعجته الصورة، فالأحلام الغريبة كثيرة ولا تدل على سوء. ومن شعر بتعب مستمر فليرح جسده وليستشر أهل الطب في أمر صحته كما يفعل في اليقظة.
وعملياً، يحسن بمن رأى هذه الصورة أن يتحرى لطف الكلام وهدوء النبرة في يومه، وأن يعبر عما في نفسه بوضوح ولين. وينفعه أن ينام في وقت منتظم، وأن يشرب الماء، وأن يخفف عن نفسه الانشغال بالتفاصيل الصغيرة قبل النوم. وذكر الله والدعاء قبل النوم يبعثان على السكينة. وكلما كان الإنسان أكثر هدوءاً مع نفسه كان أقدر على ضبط ما يخرج من لسانه.
وفي الختام، فإن كل ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في الصحة أو المال أو العلاقات. والرؤيا لا تكشف الغيب ولا تدل على حال جسد أو نفس بالقطع. فمن رأى ما أزعجه فليحسن الظن بالله، وليدعه بالعافية والخير، وليواصل حياته بطمأنينة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما سواه تقدير بشري محدود العلم.
