يرى كثير من الناس الذباب في منامهم بصور متعددة، فمرة يحوم حولهم، ومرة يقع على طعامهم، ومرة يكثر في بيوتهم أو يتبعهم في الطرقات. وهذه الأحلام من أكثر ما يتحدث عنه الناس، لأنها قريبة من تجاربهم اليومية. وفي هذا المقال خلاصة جامعة لما ذُكر في رمزية الذباب عند من تكلموا في هذا الباب. ولا بد من التذكير بأن التعبير رمزي لا حرفي، وأن كل ما يُذكر قراءات ظنية لا يصح أن تُؤخذ خبرًا عن أمر مقبل أو حكمًا على أحد.
وأكثر ما يجتمع عليه المعبرون في رمزية الذباب أنه يدل على الصغائر المزعجة، فهو مخلوق خفيف يعود كلما طُرد ولا يملك قوة تُذكر. ولهذا قرأوه رمزًا لهموم صغيرة تحوم حول صاحبها، ولمنغصات يومية لا تكسر لكنها تُتعب، ولكلام عابر يتردد، ولأمور متروكة دون عناية تجتذب الإزعاج. وهذه الدلالة العامة تظل مظلة لأكثر المنامات المتعلقة بالذباب مهما اختلفت تفاصيلها.
ونُسب إلى ابن سيرين فيما يُروى عنه أن الذباب قد يدل على خصوم ضعفاء مزعجين لا يبلغون مبلغ الأقوياء. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الذباب قد يشير إلى هموم عارضة تُلازم صاحبها حينًا ثم تنقشع. وهذه القراءات من اجتهاد بعضهم، وقد اختلف المعبرون فيها اختلافًا واسعًا. ولا يجوز بحال أن توجَّه إلى جماعة من الناس أو إلى فرد بعينه، فهي مجرد مفاتيح للتأمل في حال النفس.
وتتنوع المعاني بحسب ما يحيط بالذباب في المنام. فكثرته قد تدل على تراكم الأمور الصغيرة، وقلته على عارض يسير. وقوعه على الطعام قد يُقرأ رمزًا لعناية الرزق وحفظه، وعلى الثياب لمنغصات في المكانة، وعلى الجسد لانشغال شخصي. وطرده قد يعبّر عن قدرة على التجاوز، وعودته عن حاجة إلى حل جذري، وزواله عن انفراج. وإغلاق النافذة عن تدبير، وكبر حجمه عن تضخيم نفسي، ولمعانه عن ظاهر خادع.
وللرجل قد تتصل هذه المعاني بمهام عمله والتزاماته المتفرقة. وللمرأة المتزوجة بتفاصيل البيت والأسرة. وللفتاة غير المتزوجة بأفكارها حول المستقبل وكلام الناس. وللحامل بحساسية المرحلة وكثرة الترقب. وللتاجر بتفاصيل المعاملات والمنافسة وحسن إدارة المحل. وكلها احتمالات تقريبية ينتفع بها الرائي في الغالب من الناحية النفسية والعملية أكثر مما يرجوه من الإخبار.
وقد تناولنا في هذه السلسلة مشاهد كثيرة، منها الذباب مع الحشرات الأخرى، ومع الحيوانات، ومع الأطفال، وفي المجالس والمناسبات، وفي الأماكن المغلقة والمفتوحة. وفي كل منها تدور الدلالة حول فكرة واحدة هي الأمور الصغيرة المزعجة، ويتفاوت الفهم بتفاوت السياق. ومن فهم هذه الفكرة الجامعة سهل عليه أن يتأمل أي منام جديد من هذا الباب دون حاجة إلى حفظ معانٍ كثيرة.
ومن الناحية النفسية، فإن أحلام الذباب كثيرًا ما تعكس الإرهاق وكثرة المشتتات والهموم الصغيرة وتراكم التفاصيل. وهي في هذا مرآة للنفس لا نافذة على الغيب. وخير ما يستفيد به الرائي منها أن يراجع حاله، فيرتب أولوياته، ويعالج المنغصات في بداياتها، ويحافظ على نظافة بيته وعمله وعلى هدوء نومه، ويتعلم الصبر الجميل على ما لا يملك تغييره.
ومن الجوانب العملية التي تتكرر في كل ما سبق أن العناية المبكرة بالصغائر تمنع تحولها إلى كبائر، وأن حفظ النعمة بالتغطية والترتيب والشكر من حسن التدبير. وأن الكلام العابر لا يستحق أن يشغل القلب طويلًا، وأن سوء الظن بالناس ليس هو المقصود من أي تفسير. بل المقصود أن يعود الإنسان إلى نفسه بالإصلاح.
ومما ينبغي تأكيده أن الأحلام لا تدل على مرض أو صحة، ولا تقوم مقام الطبيب أو المختص. فإن شعر الرائي بقلق صحي أو نفسي مستمر، فالواجب أن يستشير أهل الاختصاص ويتبع إرشاداتهم. كما أن المنام لا يُتخذ دليلًا على اتهام أحد، فذلك ظلم لا يجوز.
وإذا لم يجد الرائي في منامه معنى يلائم حاله، فليس عليه أن يتكلف، فكثير من الأحلام أضغاث عابرة تذهب مع الصباح. والأولى أن يمضي في يومه بنفس مطمئنة، وأن يتحلى بالذكر والدعاء قبل نومه وبعد استيقاظه.
ولعل أهم ما يخرج به قارئ هذه الخلاصة أن الرمز الواحد قد يحمل معاني كثيرة متفاوتة، وأن اختلاف المعبرين فيه دليل على أن المسألة اجتهاد لا قطع فيها. فمن أراد أن ينتفع فلينتفع بما يوافق الهدوء والاعتدال والحكمة، ويترك ما يثير الخوف أو الوسوسة أو الشك في الناس. وليجعل الأحلام مناسبة لمراجعة النفس لا مصدرًا لاتخاذ القرارات.
وإن أراد أن يجمع الدرس في كلمات قليلة فهو أن تعالج الصغائر قبل أن تكبر، وتصبر على ما لا يُغيَّر، وتحفظ نعمك بالشكر والتدبير، وتطهر قلبك من سوء الظن، وتكثر من الدعاء بالطمأنينة. وهذه معانٍ يعرفها كل عاقل، ولا يحتاج إلى منام ليعلمها، لكن المنام قد يذكّر بها برفق.
وختامًا، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار مهم في الحياة. والأولى أن يقابل الإنسان ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله وأن يفوض أمره إليه. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وكل ما قيل في هذا الباب جهد إنساني محدود.
