رؤية الذباب الأخضر في المنام من الصور التي تلفت الانتباه بلونها الذي يخالف المألوف في الأذهان، فيتساءل الرائي عن سبب اجتماع هذا الكائن الصغير مع هذا اللون اللافت. واللون الأخضر في عالم الرؤى يرتبط في العادة بالنماء والنضارة والرزق عند كثير من المفسرين، بينما يرتبط الذباب بالمنغصات اليسيرة. ومن اجتماع الرمزين ينشأ مشهد فيه شيء من التناقض يحتاج إلى قراءة هادئة. ونذكر أولاً أن التفسير رمزي لا حرفي، وأنه اجتهاد قد يصيب وقد يخطئ.
وقد يُقرأ هذا المشهد على أن في حياة الرائي أمراً يبدو في ظاهره لامعاً أو واعداً، لكنه يخالطه شيء من الإزعاج الصغير. كأن يكون عمل جديد ظاهره فرصة وباطنه تفاصيل مرهقة، أو علاقة طيبة تشوبها مضايقات يسيرة. فالذباب يمثل المنغص الصغير، واللون الأخضر يشير إلى المجال الذي يظهر فيه هذا المنغص، وهو مجال قد يكون خيراً في أصله. وهذه قراءة من القراءات الممكنة وليست قاعدة.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الذباب يدل على ضعاف الخصوم والمنغصات الصغيرة. وذهب بعض المفسرين إلى أن الأخضر في الأحلام قد يميل بالمعنى نحو الأمور المتعلقة بالمال والنماء والزرع، فيكون المنغص متعلقاً بهذه المجالات. وقد اختلفت آراؤهم في اعتبار اللون وأثره، فلم يتفقوا على حكم واحد، ولا يجوز أن تُوجه هذه الأقوال إلى أحد من الناس أو يُظن بها سوء بأحد. فهي صور رمزية تخص النفس والمعاش لا الأشخاص.
ويتغير التفسير بتغير الحال، فإن كان الذباب الأخضر قليلاً فهو إشارة إلى منغص محدود في أمر نافع، وإن كان كثيراً فقد تتعدد التفاصيل التي تحتاج إلى متابعة. وإن حطّ على شيء أخضر كورقة أو نبات فقد يتصل المعنى بالأمور التي تنمو وتحتاج إلى رعاية. وإن طرده الرائي بهدوء فهي علامة رمزية على قدرته على حماية ما يسعى إليه من العبث الصغير. ومن مشاعر الرائي في الحلم ما يزيد المعنى وضوحاً.
وللرجل قد يرمز الحلم إلى تفاصيل صغيرة منغصة في مشروع أو عمل يرجو منه خيراً، فتدعوه إلى التنبه إلى التفاصيل. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى مضايقات صغيرة في شأن يبشر ظاهره بالراحة كمناسبة أو ترتيب منزلي. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر عن أمنية جميلة يرافقها قلق عابر لا أساس له. والأمر كله احتمالات تحتاج إلى مراجعة النفس.
وللتاجر قد يشير الذباب الأخضر عند بعضهم إلى منافسة صغيرة أو عقبات إدارية يسيرة في صفقة تبدو مبشرة. وللحامل قد يكون صدى لقلق لطيف مختلط بالفرح المنتظر، فتجتمع في المنام صورة الفرح وصورة الهم الصغير. وهذه القراءات لا تُعد توقعاً لما سيقع، وإنما هي طريقة لفهم ما يختلج في النفس من مشاعر متداخلة. فلا خوف في الأمر ولا ما يدعو إلى التوجس.
ومن دقائق التفاصيل أن ينظر الرائي في درجة الخضرة، فاللون الفاتح الزاهي غير الداكن الشاحب، وفي لمعان الجناحين، وفي ما إذا كان الذباب يطير أم يقف. وأن ينتبه إلى الخلفية التي ظهر فيها، أكانت بستاناً أم بيتاً أم طريقاً. فكل ذلك يعطي ألواناً من الفهم تعود إلى مجال الحياة الذي يشغل الرائي. ولا يصح الجزم بشيء من ذلك، فهي ظلال معان لا أكثر.
وعملياً، قد يكون الحلم تذكيراً لطيفاً بأن الأمور الجميلة تحتاج إلى عناية بالتفاصيل الصغيرة، وأن المنغصات اليسيرة لا ينبغي أن تحجب النعمة عن النظر. فمن شكر ما بين يديه خفّت عليه المنغصات، ومن عالج الصغير مبكراً حفظ الكبير. والصبر وهدوء الأعصاب يحميان الإنسان من أن تفسد عليه الأمور الصغيرة فرحة الأمور الكبيرة. ونظافة المكان وحفظ الطعام مغطى عادات تريح البال وتحسن الحياة اليومية.
ومما يُنتفع به أن يكتب الرائي ما يرجوه وما يزعجه في ورقة واحدة، فيرى بعينه أن الإزعاج أصغر مما تصوره الحلم. وأن يتحدث مع شخص يثق به عما يشغله، فإن الحديث يخفف كثيراً مما تضخمه الوحدة. وقد تكون هذه الخطوات البسيطة أنفع من أي تأويل، لأنها تنقل الرائي من التفكير في الرمز إلى العمل المفيد.
وفي الختام فإن تفسير الرؤى اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في عمل أو زواج أو مال، ولا أن يُحاكم به أحد. والأجدر بالرائي أن يقابل ما يرى بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يوقن أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فمن توكل على ربه عاش مطمئناً ولو كثرت الصور في منامه.
