يحدث أن يرى الإنسان في منامه ذباباً يحوم حول رأسه ويدور فوق شعره وقريباً من جبهته، فيشعر بإزعاج مضاعف لأن الرأس موضع التفكير والإحساس. وهذا المشهد يختلف عن مشهد الذباب الذي يطير حول الجسد عموماً، فتركزه حول الرأس يعطيه طابعاً فكرياً ونفسياً أوضح. وهو من الأحلام التي يتكرر ورودها في فترات التفكير الكثير والانشغال الذهني. وكما هو الحال في كل تأويل فإن ما نذكره رمزي واجتهادي لا يُقطع به.
والرأس في لغة الرموز يرتبط عند كثير من المفسرين بالفكر والمكانة والتدبير، ولذلك فإن ما يحوم حوله يُقرأ على أنه شواغل ذهنية. فكأن الذباب صورة للأفكار الصغيرة المتكررة التي تدور في رأس الإنسان، كحديث نفس لا ينقطع أو توقع قلق لا أصل له. وقد يشير أيضاً إلى كلام عابر يُقال حول الرائي دون أن يمس مقامه مساً حقيقياً. ويبقى الأرجح أن المقصود هو ما في الذهن من ضجيج لا ما في الخارج من أحداث.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الذباب يدل على المنغصين الضعاف، وأن ما يتعلق بالرأس قد يتعلق بالشأن والمنزلة. وذهب بعض المفسرين إلى أن مثل هذا المشهد قد يدل على مضايقات يسيرة في أمور السمعة أو الكلام لا تدوم ولا تضر. وقد اختلفت آراؤهم اختلافاً واسعاً فلم يجعلوها قاعدة، ولا يجوز أن تُوجّه إلى أحد من الناس ولا يُظن بأحد سوءاً بسببها. فهي إشارات رمزية لما يجول في الخاطر لا أكثر.
وتؤثر التفاصيل في المعنى، فإن كان الذباب يحوم دون أن يحط فالأمر مجرد هاجس عابر، وإن حطّ على الشعر أو الجبهة فقد يكون الشاغل أقرب إلى الاستقرار في الذهن. وإن أبعده الرائي وعاد فقد يشير إلى فكرة ملحة لا بد من مواجهتها. وإن كان هادئاً غير منزعج فذلك يرمز إلى ثباته أمام ما يدور حوله. وكل هذا قابل للاجتهاد ولا يُجزم به.
وللرجل قد يشير الحلم إلى كثرة تفكيره في أمور المعاش والمسؤوليات، أو إلى حديث الناس الذي يسمعه فيشغله دون ضرورة. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن هموم ذهنية تتعلق بتدبير البيت والتفكير في احتياجات الأسرة. وللفتاة غير المتزوجة قد يرمز إلى أفكار متكررة حول مستقبلها وما يقوله الناس. وفي هذه الحال ينفعها أن تُبعد التفكير الزائد بالانشغال بما ينفع.
وللحامل قد يكون الحلم صدى لأفكار تدور في رأسها حول الولادة والاستعداد، وهو أمر طبيعي لا ينبغي أن يقلقها. وللتاجر قد يشير إلى حسابات وأرقام وأفكار تتزاحم في ذهنه حول عمله، وتحتاج إلى ترتيب وتدوين. وليس في ذلك ما يدل على خسارة أو ضرر، وإنما هو انعكاس للانشغال الذهني الطبيعي. فمن رتّب أفكاره هان عليه عمله.
ومن الدقائق التي ينتبه إليها الرائي لون الذباب وحجمه وعدده، وإن كان يشعر به على رأسه شعوراً حسياً أم يراه فقط. فالإحساس الحسي بملمسه قد يرمز إلى شدة تأثر الذهن بالفكرة، والمشاهدة وحدها قد تكون أخف. وكذلك المكان الذي يحدث فيه الحلم وما إذا كان الرائي جالساً أم ماشياً. وكل هذه ظلال يُستأنس بها فقط.
وفي الجانب النفسي، قد يكون الحلم دعوة إلى تخفيف ضجيج الذهن، بأن يتوقف الرائي قليلاً عن الاستغراق في التفكير ويمنح نفسه راحة. ومن الأمور النافعة المشي في الهواء الطلق، والحديث مع صديق مأمون، وترتيب الأفكار على الورق. كما أن الصبر وهدوء النفس يعينان على فصل الأفكار المفيدة عن الأفكار المزعجة. وحسن ترتيب المكان وتغطية الطعام ونظافة المنزل من العادات التي تريح البال.
ومما قد ينفع أن يخصص الرائي وقتاً قبل النوم للابتعاد عن الشاشات والأخبار المقلقة، فإن الذهن الذي يدخل النوم مثقلاً يرى أحلاماً مثقلة. وأن يختم يومه بما يريح من ذكر ودعاء وهدوء، فإن لذلك أثراً بالغاً في صفاء النوم. وهذه أمور جربها الناس وعرفوا نفعها في تخفيف الأحلام المزعجة.
وليس من الضروري أن يكون لكل تفصيلة في الحلم معنى مستقل، فقد تكون بعض الصور مجرد حشو يضيفه الذهن أثناء النوم دون مقصد. ولذلك فإن الأنفع أن ينظر الرائي إلى الحلم نظرة إجمالية، فيسأل نفسه هل يعكس شعوراً عاماً بالتشويش الفكري أم لا. فإن وجد في نفسه ذلك فليعالجه بما يناسبه من راحة وتنظيم وحديث هادئ مع من يثق به. وإن لم يجد فليترك الحلم ولا يشغل به باله، فكثير من الأحلام تمر دون أثر ولا خبر، وهذا من لطف الله بعباده.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي ولا أن يُستعمل لاتهام أحد. والأولى أن يقابل الرائي رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يتذكر أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فمن اطمأن قلبه بذكر ربه هدأ رأسه وخفّت عنه كل الهواجس.
