يرى بعض الناس في منامهم أنفسهم وسط حشد كبير من الناس في سوق أو ساحة أو مناسبة عامة، وفي أثناء ذلك يحوم الذباب حولهم أو بين الناس. وهو مشهد يجمع بين ضجيج الزحام وإزعاج الحشرات، فيشعر الرائي بالاختناق أو التشتت. والتعبير عن هذه الصورة رمزي لا حرفي، ولا يصح أن يُحمل على واقع أو يُسقط على جماعة من الناس. وما يلي مجرد تأملات عامة يستأنس بها الرائي في فهم حاله.
والزحام في المنام عند بعض المفسرين قد يرمز إلى كثرة المشاغل والالتزامات أو إلى ازدحام الأفكار في الذهن. وأما الذباب فيُقرأ رمزًا للمنغصات الصغيرة التي تتكرر. فإذا اجتمع الأمران، جاز أن يُفهم المنام على أنه صورة لحياة مزدحمة تتخللها منغصات صغيرة متتابعة، لا تكاد تُرى لكنها تتراكم. وكأن النفس تقول إنها تحتاج إلى مساحة أهدأ وإلى ترتيب لما يحيط بها.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الذباب قد يدل على خصوم ضعفاء أو أمور مزعجة يسيرة، وأن الزحام قد يشير إلى كثرة الأمور وتشابكها. وذهب بعض المفسرين إلى أن اجتماع الأمرين قد يعبّر عن شعور بالضياع بين الناس وكثرة الكلام. واختلف المعبرون في ذلك اختلافًا واسعًا، ولا يصح أن تُنزَّل هذه المعاني على أحد، فهي في عمومها حديث عن حال الرائي مع نفسه وانشغالاته.
وتتغير دلالة المنام بتغير تفاصيله. فإن كان الذباب يقف على الناس دون أن يزعجهم، فقد يُفهم على أن المنغصات عامة وليست خاصة بالرائي. وإن كان يلاحقه هو دون غيره، فقد يعبّر عن شعور شخصي بالإزعاج. وإن كان الزحام شديدًا يمنع الحركة، فقد يرمز إلى ضيق الوقت وكثرة الارتباطات. وإن خرج الرائي من الزحام إلى مكان فسيح فزال الذباب، فقد يُقرأ ذلك رمزًا لانفراج الهموم وراحة بعد تعب.
وللرجل قد يتصل المنام بكثرة الالتزامات العملية والاجتماعية التي تتزاحم عليه. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى تعدد المهام بين البيت والأولاد والأهل. وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر عن تشتت بين الدراسة وكلام الناس والتفكير في المستقبل. وللتاجر قد يرمز إلى ضجيج السوق وكثرة المنافسة والتفاصيل اليومية، وهي أمور مألوفة تحتاج إلى تنظيم وهدوء.
ومن الدقائق أن ينظر الرائي في نوع الزحام. فإن كان زحام سوق، فقد يرتبط الأمر بالمعاش والسعي. وإن كان زحام مناسبة اجتماعية، فقد يرتبط بالعلاقات والمجاملات. وإن كان زحام طريق، فقد يرتبط بالتنقل والانتظار. وإن كان الذباب يعلو الرؤوس، فقد يُحمل على أنه أفكار مشتتة. وإن كان على الأرض، فقد يشير إلى أمور مهملة. وكل ذلك احتمالات تأملية لا ترقى إلى اليقين.
ومن الناحية النفسية، فإن هذا المنام كثيرًا ما يعكس إرهاقًا ذهنيًا وكثرة مؤثرات في النهار، كالأخبار والمحادثات والإشعارات. فالعقل في النوم يمزج هذه المؤثرات في مشهد واحد مزدحم. ويفيد الرائي أن يخصص لنفسه أوقاتًا من الصمت والهدوء، وأن يقلل ما يُشتت ذهنه، وأن يرتب مهامه بحسب الأهمية. فإن النفس إذا استراحت صفت أحلامها وخفت أثقالها.
ومما يعين على ذلك أن يبدأ الإنسان يومه بخطة بسيطة، وأن ينهيه بذكر ودعاء وتفكير هادئ فيما أنجزه. وأن يبتعد عن الخوض في الأحاديث التي لا نفع فيها، فكثرة الكلام من أسباب تشتت القلب. كما أن النظافة وترتيب المكان يعطيان إحساسًا بالسيطرة والراحة. وليس في المنام ما يدعو إلى القلق، فهو أقرب إلى دعوة لطيفة للتخفف.
ومن الجوانب التي قد تضيف فهمًا للمنام شعور الرائي وهو في الزحام، فهو أهم من تفاصيل المشهد نفسها. فإن كان يشعر بالضيق والرغبة في الخروج، فقد يدل ذلك على حاجته إلى الانفراد بنفسه وإلى فترة راحة من كثرة الاختلاط. وإن كان يشعر بالألفة والانسجام رغم الذباب، فقد يكون المنام تعبيرًا عن قدرته على التعايش مع الناس والتغاضي عن هناتهم الصغيرة. وإن كان يبحث عن شخص بعينه وسط الزحام والذباب يزعجه، فقد يُحمل على رغبة في التواصل تعيقها مشاغل صغيرة. وكل ذلك صور تقريبية لا تعدو أن تكون مفاتيح للتأمل الهادئ، ولا يصح أن يُبنى عليها قرار في علاقة أو عمل.
كذلك قد ينظر الرائي إلى وقت الزحام، فإن كان في ساعة الذروة نهارًا فقد يرتبط بالسعي والمعاش، وإن كان ليلًا فقد يرتبط بالأفكار التي لا تهدأ. ولا شك أن الإنسان إذا أكثر من الاختلاط وقلّ نصيبه من الصمت، تأثرت أحلامه بذلك. فالمطلوب هو التوازن بين الاجتماع والانفراد، وبين الكلام والسكوت، وبين الجد والراحة.
وختامًا، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، يخطئ ويصيب، ولا يصح أن يكون مستندًا لقرار مهم أو لحكم على أحد. والأولى أن يقابل الإنسان ما يراه بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يفوض أمره إليه. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما يقوله المفسرون يبقى في دائرة الظن والتأمل.
