يرى بعض الناس في منامهم ذباباً يطير في فضاء صحراء واسعة خالية، فيستيقظون وهم يتعجبون من وجود هذا الكائن الصغير في مكان قاحل. والصحراء في الرموز ترتبط بالخلوة والامتداد والبعد عن الناس والتأمل، وربما بالمشقة أو الانتظار. وحين يظهر فيها الذباب فإن الصورة تدل رمزياً على أن المنغصات الصغيرة قد تلاحق الإنسان حتى في خلوته. ونذكّر بأن التفسير رمزي اجتهادي لا يُقطع به، وأن الرؤيا لا تُحمل على ظاهرها.
وأقرب القراءات أن الحلم يعبر عن شعور الرائي بأن همومه الصغيرة تتبعه أينما ذهب، فلا يجد منها مهرباً حتى في أبعد المواضع وأكثرها هدوءاً. فكأن المنغص ليس في الخارج بقدر ما هو في داخله، يحمله معه حيثما سار. وهذا المعنى يحمل دعوة لطيفة إلى معالجة ما في النفس بدل الهروب من الأمكنة. وهي قراءة نفسية قريبة من حال كثيرين ممن يسافرون ويبتعدون ولا تفارقهم هموم يومهم.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الذباب يدل على الضعاف المنغصين، وأن الصحراء قد ترتبط بالسفر أو الشدة أو الخلو من الناس. وذهب بعض المفسرين إلى أن المنغصات الصغيرة في موضع الخلوة قد تشير إلى مضايقات يسيرة تعتري الإنسان في فترات الانفراد أو المشقة. وقد اختلفت آراؤهم في هذه الأمور اختلافاً واسعاً، ولا يصح أن تُسقط أقوالهم على أحد من الناس ولا أن تُتخذ للتشاؤم من سفر أو غيره. فهي صور رمزية لنفس الرائي.
وتتغير الدلالة بتغير التفاصيل، فإن كان الذباب قليلاً في فضاء واسع فالأمر خفيف، وإن كان كثيراً فقد يعبر عن كثرة الأفكار في الخلوة. وإن كان الرائي يمشي فالمعنى يتصل بالسعي، وإن كان جالساً فقد يتصل بالانتظار والتأمل. وإن كانت الشمس حارة فقد يرمز ذلك إلى شدة الضغط، وإن كان الجو معتدلاً فالأمر أخف. ومشاعره هي المرجع في ذلك.
وللرجل قد يشير الحلم إلى فترة من الانفراد بنفسه أو سفر أو غربة تلاحقه فيها هموم صغيرة. وللمرأة المتزوجة قد يعبر عن رغبتها في لحظات خلوة وهدوء وسط انشغالها بالآخرين، ومعاناتها من أن الأفكار تلاحقها حتى حين تنفرد. وللفتاة غير المتزوجة قد يرمز إلى مرحلة تأمل في مستقبلها تصحبها أفكار متكررة. وكل ذلك احتمال لا يلزم أحداً.
وللحامل قد يكون الحلم انعكاساً لشعور بالوحدة أو الانتظار في هذه الفترة، وهو أمر طبيعي يحتاج إلى مزيد من الأنس والطمأنينة. وللتاجر قد يشير إلى سفر عمل أو رحلة تجارة تعتريها منغصات صغيرة، وإلى حاجته إلى التخطيط والتحسب. ولا يدل ذلك على سوء، بل هو دعوة إلى الاستعداد. فمن أحسن تجهيز أمره خفّت عليه عقبات الطريق.
ومن الدقائق أن يتذكر الرائي حال الأرض، أرملية هي أم صخرية، وهل رأى أحداً في الأفق، وهل كان معه زاد أو ماء. فالزاد قد يرمز إلى استعداده، والماء إلى ما يرويه ويريحه. وهل كان الوقت نهاراً أم ليلاً، فالليل قد يرمز إلى الحيرة والنهار إلى الوضوح. وهذه ظلال لا قواطع يُستأنس بها فقط.
وفي الجانب العملي والنفسي، قد يكون الحلم دعوة إلى مواجهة الأفكار المزعجة في الخلوة بدل الهروب منها، وإلى التدرب على الهدوء والتأمل الإيجابي. ومن الأمور النافعة أن يستثمر المرء فترات انفراده في الذكر والقراءة والتفكير فيما ينفع، فتتحول الخلوة إلى مصدر قوة. وإلى حسن الاستعداد لأي سفر بالتخطيط وأخذ ما يلزم، وحفظ الطعام مغطى نظيفاً. والصبر على مشقة الطريق من أسباب بلوغ الغاية.
وقد يكون الحلم أحياناً مجرد صدى لمشهد رآه الإنسان في صورة أو فيلم أو سفر قديم، فيعيده العقل بصورة مبالغ فيها. وفي مثل ذلك لا يحتاج الأمر إلى تأويل.
ومما يُنتفع به أن يتذكر الإنسان أن الخلوة نعمة إذا أحسن استعمالها، وأن الأفكار المزعجة تخف إذا شغل نفسه بما ينفع. فمن ملأ وقته بالخير لم يجد الذباب مكاناً يحوم فيه.
ويحسن أن يتذكر الرائي أن الأمان في الطريق والاستعداد له من الأمور الواقعية التي لا يغني عنها الحلم، فمن كان مقبلاً على سفر فليتأكد من رفقته وزاده وسلامة مركبه. ثم يتوكل على الله ويمضي بقلب مطمئن.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي في سفر أو عمل، ولا أن يُحكم به على أحد. والأولى أن يقابل الرائي رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يوقن أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ومن توكل على ربه في خلوته وسفره أنس به قلبه واطمأنت نفسه.
