يرى كثير من النساء والرجال في منامهم ذباباً يتجمع في المطبخ حول الأواني والأطعمة، فيشعرون بالضيق وقد يستيقظون وهم يفكرون في ترتيب مطبخهم. والمطبخ في الرموز موضع تدبير المعاش وإعداد ما يقوم به الجسد، فيرتبط بالرزق وحسن التدبير والعناية بأهل البيت. ولذلك فإن ما يظهر فيه من منغصات يُقرأ في ضوء هذه المعاني. ونذكّر بأن التفسير رمزي اجتهادي، فالرؤيا لا تتحقق بحرفها ولا تُبنى عليها أحكام.
وقد يُفهم الحلم على أنه إشارة إلى منغصات صغيرة في أمور المعاش اليومي، كزيادة نفقة أو تفصيلة في ميزانية البيت أو ترتيب في المشتريات. وقد يعبر عن شعور بالإرهاق من تفاصيل الإعداد والتنظيم والتنظيف التي لا تنتهي. وكأن الذباب في هذه الصورة يمثل الصغائر المتكررة التي تلاحق من يتولى هذه المهام. وهذه قراءة نفسية قريبة من الواقع المعتاد.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الذباب يدل على الضعاف المنغصين، وأن المطبخ مرتبط بالمعاش وتدبيره. وذهب بعض المفسرين إلى أن كثرة المنغصات في موضع الطعام قد تشير إلى مضايقات يسيرة تتعلق بالرزق دون أن تقطعه. وقد اختلفت آراؤهم في هذا الباب ولم يقطعوا برأي، ولا يصح أن تُسقط أقوالهم على أحد من أهل البيت أو الجيران ولا أن يُبنى عليها اتهام. فهي رموز تتعلق بالنفس.
وتتغير الدلالة بتغير التفاصيل، فإن كان المطبخ نظيفاً مرتباً والذباب قليلاً فالأمر خفيف، وإن كان مزدحماً بالأواني والذباب كثيراً فقد تتراكم الأعباء. وإن حط الذباب على الأواني الفارغة فقد يرتبط بأمور لم تكتمل بعد، وإن حط على الأطعمة فقد يرتبط بالرزق ومنغصاته. وإن أخرجه الرائي من النافذة أو غطى ما عنده فذلك رمز لحسن التدبير. ومشاعره أثناء ذلك توضح المعنى.
وللمرأة المتزوجة قد يشير الحلم إلى انشغالها بتدبير ميزانية البيت وترتيب مطبخها وإعداد احتياجات أسرتها، وقد يعبر عن رغبتها في مزيد من التنظيم والمساعدة. وللرجل قد يتصل بما ينفقه على بيته وأسرته وما يشغله من أمر المعاش. وللفتاة غير المتزوجة قد يرمز إلى معاونتها لأهلها في المطبخ أو تفكيرها في بيتها المستقبلي. وكل ذلك احتمال لا يلزم أحداً.
وللحامل قد يكون الحلم انعكاساً لحساسيتها تجاه الروائح والأطعمة والنظافة في هذه المرحلة، وهو أمر طبيعي معروف. وللتاجر قد يشير إلى منغصات صغيرة في أمر النفقات والمشتريات والموردين، تحتاج إلى حسابات دقيقة. ولا يدل ذلك على خسارة، بل هو دعوة إلى الدقة في تدبير المال. ومن دبّر ماله بحكمة بورك له فيه.
ومن الدقائق أن يتذكر الرائي موضع الذباب في المطبخ، أكان عند المغسلة أم الموقد أم الثلاجة أم الأواني. فالمغسلة قد توحي بالتنظيف والتخلص من الفضلات، والموقد بالإعداد والجهد، والثلاجة بالادخار والحفظ. وهل كان المطبخ مألوفاً أم غريباً، فالمألوف أقرب إلى الحياة الفعلية. وهذه إشارات يُستأنس بها دون جزم.
وفي الجانب العملي والنفسي، قد يكون الحلم دعوة إلى العناية بنظافة المطبخ وترتيبه وإخراج الفضلات في أوقاتها وتغطية الأطعمة وحفظها، وهي عادات تدبيرية تريح البال ولا تتصل بأي حكم ديني. ويدعو إلى التخطيط المسبق للوجبات والمشتريات، فإن التخطيط يخفف الضغط. وإلى الاستعانة بأفراد الأسرة في المهام حتى لا يتحمل واحد العبء كله. والصبر وحسن الترتيب يحوّلان المطبخ إلى مكان مريح.
وقد يستفيد الرائي من تنظيم أسبوعي بسيط لما يحتاجه من مشتريات ووجبات، فإن ذلك يوفر عليه الوقت والجهد والمال. وهي عادة ينتفع بها كثير من الناس ويشعرون معها بالراحة والسيطرة على أمورهم اليومية.
ويحدث أن يرى المرء هذا الحلم بعد يوم مزدحم بإعداد طعام لضيوف أو مناسبة، فتكون الصورة صدى للتعب لا غير. وفي مثل ذلك يكفيه أن يرتاح ويقدر ما بذله من جهد، وألا يحمّل الحلم معنى أكبر.
ولا ينبغي أن يغفل الرائي عن أن المطبخ قد يرمز كذلك إلى مكان صنع الأفكار والخطط قبل أن تنضج، كما يُعدّ الطعام فيه على مهل. فإذا ظهر فيه الذباب فقد يكون في ذلك إشارة إلى تفاصيل صغيرة تشوش على مشروع لم يكتمل بعد في حياته. وهذا المعنى يناسب من كان مقبلاً على أمر جديد، كمشروع أو سفر أو ترتيب مناسبة. وفي هذه الحال يكفيه أن يراجع خطته بهدوء ويستعين بذوي الخبرة، ثم يتوكل على الله ويمضي، فإن الصغائر لا تمنع من أتقن استعداده.
وفي الختام فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا يصح أن يكون أساساً لقرار حقيقي في الرزق أو المال أو غيره، ولا أن يُحكم به على أحد. والأولى أن يقابل الرائي رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يوقن أن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. ومن رضي بما قسم الله له بارك الله له في رزقه وبيته.
